جمعه قابيل يكتب: فخ المليون جنيه.. كيف يلتهم التضخم مدخرات المصريين بصمت؟

جمعه قابيل يكتب: فخ المليون جنيه.. كيف يلتهم التضخم مدخرات المصريين بصمت؟
خلاصة دردشة مع وزراء وخبراء اقتصاد حول قيمة المال بين الأمس واليوم وغداً
في عالم المال والأعمال، لا يكفي أن يعرف الإنسان حجم ما يملكه من أموال، وإنما الأهم أن يعرف ما تستطيع هذه الأموال شراءه اليوم، وما ستستطيع شراءه بعد سنوات.
من هنا يبرز ما يمكن وصفه بـ«فخ المليون جنيه الصامت»؛ فالمبلغ الذي يبدو كبيراً وثابتاً على الورق قد تتراجع قوته الشرائية تدريجياً مع ارتفاع الأسعار والتضخم، بينما يظل الرقم نفسه دون تغيير.
مليون جنيه قبل 10 سنوات.. وماذا تشتري اليوم؟
بالعودة نحو عشر سنوات إلى الوراء، كان مبلغ مليون جنيه يمثل قيمة شرائية أكبر بكثير مما يمثله اليوم. وكان بإمكانه في ذلك الوقت الدخول في استثمارات أو شراء أصول أصبحت أسعارها اليوم أعلى بكثير.
وتكشف المقارنة بين أسعار الذهب والعقارات خلال تلك الفترة عن حجم التحولات التي شهدها الاقتصاد المصري، إذ إن توجيه المدخرات إلى أصول حقيقية كان يمكن أن يحقق نمواً كبيراً في القيمة الاسمية للاستثمار، وإن كانت النتائج الفعلية تختلف بحسب توقيت الشراء ومكان الاستثمار وتكاليفه.
وفي المقابل، فإن الاحتفاظ بالمبلغ نقداً طوال هذه السنوات كان يعني تعرض قوته الشرائية لتأثير التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
الذهب والعقار.. وجه آخر للقصة
ومن أبرز الأمثلة التي تثير الانتباه الذهب، الذي شهد ارتفاعاً كبيراً في سعره بالجنيه المصري خلال السنوات الماضية.
كما شهدت السوق العقارية ارتفاعات متفاوتة في أسعار الوحدات والأراضي في العديد من المناطق، إلى جانب إمكانية تحقيق دخل دوري من الإيجارات بالنسبة لبعض أنواع العقارات.
لكن هذه المقارنة لا تعني أن الذهب أو العقار يحققان عائداً مضموناً، فلكل استثمار تكاليفه ومخاطره، كما تختلف النتائج باختلاف التوقيت والموقع ونوع الأصل ومدة الاحتفاظ به.
والسؤال الأصعب: ماذا تفعل بالمليون اليوم؟
هنا ينتقل السؤال من الماضي إلى المستقبل: إذا كان لديك مليون جنيه اليوم، فكيف تحافظ على قوتها الشرائية خلال السنوات المقبلة؟
الاحتفاظ بكامل المبلغ في صورة نقدية قد يعرضه لتراجع القوة الشرائية إذا استمرت معدلات التضخم وارتفعت الأسعار، في حين أن توجيه المدخرات إلى أصول استثمارية قد يمنحها فرصة للنمو، لكنه لا يخلو أيضاً من المخاطر.
ولهذا، فإن الفكرة الأساسية التي يطرحها جمعه قابيل في خلاصة نقاشاته مع عدد من الوزراء والخبراء الاقتصاديين تتمثل في ضرورة التعامل مع المدخرات باعتبارها ثروة تحتاج إلى إدارة، وليس مجرد أموال تحتاج إلى حفظ.
التنويع.. كلمة السر
ولا يعني الحفاظ على قيمة المدخرات وضع الأموال كلها في الذهب أو العقار، كما لا يعني الاحتفاظ بها بالكامل في صورة سيولة نقدية.
فالتنويع بين السيولة والأصول المختلفة، وفقاً للقدرة المالية والاحتياجات الشخصية ودرجة المخاطرة المقبولة، يمكن أن يكون أحد الأساليب التي تساعد على إدارة المدخرات في مواجهة المتغيرات الاقتصادية.
فالسيولة تظل مهمة لمواجهة الالتزامات والطوارئ، بينما قد توفر بعض الأصول وسيلة للتحوط من ارتفاع الأسعار أو فرصة لتحقيق عائد على المدى الطويل.
المليون جنيه.. رقم ثابت وقيمة متغيرة
وفي النهاية، تظل الحقيقة الأهم أن المليون جنيه قد تبقى مليون جنيه على الورق، لكن قيمتها الشرائية ليست ثابتة مع مرور الزمن.
وهنا تكمن خطورة «الفخ الصامت»: أن يطمئن صاحب المال إلى ثبات الرقم، بينما تتغير الأسعار من حوله وتتراجع كمية السلع والخدمات التي يستطيع شراءها بالمبلغ نفسه.
فالدرس الذي تفرضه السنوات الماضية ليس أن هناك استثماراً واحداً يصلح للجميع، وإنما أن إدارة المدخرات تحتاج إلى وعي بالتضخم، ودراسة للفرص والمخاطر، وتنويع مدروس، ونظرة طويلة الأجل.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل من يمتلك مليون جنيه اليوم:
هل تريد أن تحافظ على الرقم فقط.. أم تحافظ على القوة الشرائية لهذا الرقم؟




