شراكة استراتيجية من أهم التحولات الجيوسياسية.. أمريكا والهند.. تقارب محسوب فى عالم مضطرب
شراكة استراتيجية من أهم التحولات الجيوسياسية.. أمريكا والهند.. تقارب محسوب فى عالم مضطرب
بدور خطاب
تمثل الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند تحولا من أهم التحولات الجيوسياسية حديثا. فبعد أن اتسمت هذه العلاقة بعدم الانسجام خلال القرن الماضى، تطورت مع بداية الألفية الحالية إلى شراكة استراتيجية شاملة ذات تداعيات بعيدة المدى على بنية الأمن فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وذلك بعد أن نجحت الولايات المتحدة فى استغلال أضعف حلقة فى المثلث الاستراتيجى الروسى والهندى والصينى من خلال استمالة الهند نحوها، حيث قدم التحرير الاقتصادى للهند فى التسعينيات فرصا للاستثمار الأمريكى، خاصة فى مجالات تكنولوجيا المعلومات والأدوية والخدمات. وتنامت التجارة الثنائية بشكل كبير مع خفض الهند للتعريفات الجمركية وفتحها لقطاعات كانت محمية سابقا.
وقد أجبرت الأحداث الجارية والتغيرات التى تشهدها السياسة الخارجية الأمريكية مؤخرا، الهند على إعادة النظر فى أولوياتها. فعلى الصعيد الداخلى، تبدو الحكومة الهندية عازمة على تسريع وتيرة الإصلاحات المحلية لدعم النمو الذى عادة ما يكون مدفوعا بالعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة.
أما على الصعيد الدولى، تضاعف الهند من جهودها لبناء علاقات ثنائية أقوى مع شركائها الرئيسيين. وقد حظيت القمم الأخيرة مع قادة روسيا والصين باهتمام كبير.
وعلى الرغم من الصعوبات المتكررة، تظل الولايات المتحدة شريكا اقتصاديا لا غنى عنه للهند، فهى أكبر وجهة تصدير السلع وخدمات تكنولوجيا المعلومات، وأكبر مصدر للتحويلات المالية، وبينما تصنف الإحصاءات الرسمية للاستثمار الأجنبى المباشر الولايات المتحدة فى المرتبة الثالثة، إلا أن هذا التصنيف غير دقيق بشكل كبير بسبب استغلال المستثمرين الهنود ومستثمرى الدول الأخرى لمعاهدات الضرائب الميسرة التى أبرمتها الهند وسنغافورة وجزر موريشيوس.
ويشير تقرير المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى للشراكة مع الهند، حيث تستحوذ على حوالى ربع إجمالى الاستثمارات الأجنبية فى البلاد. كما تسهم الهند بشكل ملحوظ فى أعداد الطلاب الدوليين الدارسين فى الكليات والجامعات الأمريكية.
لكن على الرغم من هذه الدلائل المهمة على الروابط بين البلدين، فإن عضوية الهند فى مجموعة البريكس ومنظمة شنجهاى للتعاون تثير تساؤلات حول ما إذا كانت الهند تقترب أكثر من خصوم الولايات المتحدة. وتؤكد القمم الأخيرة لهذه المجموعات هذا الرأى، حيث ظهر ناريندرا مودى، رئيس الوزراء الهندى وهو يعانق كلا من الرئيسين الروسى والصينى، فضلا عن زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين للهند فى ديسمبر الماضى ولقائه بمودى وعدد من كبار القادة الهنود.
لذلك لا يمكن اعتبار علاقة الهند بهاتين الدولتين هامشية، فكلتاهما من بين أهم خمسة شركاء تجاريين للهند فى مجال السلع، ولاتزال روسيا موردا رئيسيا للمعدات العسكرية للهند.
ولحسن الحظ، فإن بريق تفاعلات الهند مع خصوم أمريكا يتضاءل أمام «جوهر» اتفاقياتها مع أصدقاء أمريكا وحلفائها ، خاصة أن بعض هذه الاتفاقيات يعود إلى ما قبل عودة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى منصبه مرة أخرى، لكن وتيرة إبرام الاتفاقيات تتسارع. ويكفى أن نقارن نتائج لقاءات مودى مع اليابان والفلبين فى أواخر عام 2025 بتلك التى أبرمها مع روسيا. فالاتفاقيات الهندية – الروسية قطاعية وتكتيكية، وتغطى مجالات عدة مثل الرعاية الصحية والغذاء وبعض الاستثمارات المتواضعة. ولعل النتيجة الوحيدة ذات القيمة الاستراتيجية الحقيقية خلال قمة القادة هى برنامج تدريب البحارة الهنود على الطرق القطبية، وذلك على الرغم من توقيع البلدين لاحقا «اتفاقية دعم لوجيستى متبادل» عسكرية فى ديسمبر 2025. أما الاتفاقيات الجديدة للهند مع اليابان والفلبين فهى أكثر استراتيجية بكثير، إذ تشمل تعاونا أمنيا شاملا، واستثمارات ملموسة، ومجال الفضاء، وغير ذلك.
وتشعر الهند براحة متزايدة تجاه الاتفاقيات التجارية المهمة، حيث تعد سلاحا رئيسيا آخر فى ترسانة الهند مع توسيع علاقاتها الاقتصادية.
كما وقعت الهند ست اتفاقيات تجارية خلال السنوات الأربع الماضية، ثلاث منها خلال الأشهر السبعة الأخيرة. ومن بين هذه الاتفاقيات الست، ثلاث اتفاقيات مع حلفاء الولايات المتحدة (أستراليا، والمملكة المتحدة، ونيوزيلندا)، بموجب معاهدات أمنية. بينما الثلاث الأخرى مع دول تتعاون بانتظام مع الولايات المتحدة فى المسائل الأمنية (الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، ورابطة التجارة الحرة الأوروبية بقيادة سويسرا).
وسوف تسلط الهند الضوء على الحيوية المتجددة فى علاقاتها مع الاتحاد الأوروبى فى وقت لاحق من هذا الشهر. وستشهد احتفالات يوم الجمهورية السنوية فى 26 يناير الجارى حضور رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبى، أنطونيو كوستا.
فى الوقت نفسه، تعمل الهند أيضا على تحسين علاقاتها مع الصين، إلا أن معظم النتائج الملموسة لا تعدو كونها عودة إلى الوضع الراهن قبل عقد من الزمن، مثل استئناف الرحلات الجوية المباشرة، وانفتاح الهند المتزايد على الواردات الصينية، والتقارير التى تفيد بتبسيط إجراءات التأشيرات لرجال الأعمال الصينيين.
وفى خضم هذه التطورات فى العلاقات الأمريكية – الهندية، هناك بالتأكيد فرص جيدة أمام البلدين لدعم علاقتهما على نحو أفضل، خاصة أنه ينبغى على ترامب الالتزام بزيارة الهند قريبا لحضور اجتماع قادة الحوار الرباعى (كواد) وما يتخلل ذلك من لقاءات ثنائية.
كما ينبغى على الولايات المتحدة أيضا المضى قدما فى المرحلة الأولى من الاتفاقية التجارية خلال هذه الفترة من ركود العلاقات الأمريكية الهندية، حيث إنه من المطمئن معرفة أن أهم مشاركات الهند العالمية تركز بشكل كبير على الشركاء الأمريكيين.
وإن المسافة إلى «العودة إلى الوضع الطبيعى» أقل بكثير مما لو كانت الهند تعزز علاقاتها بقوة مع روسيا والصين وإيران.





