نهى عراقي تكتب.. العطاء والنكران
نهى عراقي تكتب.. العطاء والنكران
العطاء ليس دائمًا مالًا، ولا هدية تُغلف بورقٍ جميل. أحيانًا يكون العطاء وقتًا منحناه لمن احتاجنا، واهتمامًا قدمناه دون طلب، ووقوفًا إلى جوار إنسان في أصعب أيامه، وكلمة طيبة قلناها حين كان العالم كله يثقل على قلبه.
ليس مؤلمًا أن تُعطي ولا تأخذ، بقدر ما يؤلم أن تعطي من قلبك، ثم يأتيك المقابل نكرانًا؛ كأن ما قدمته لم يكن يومًا، وكأن يديك التي امتدت بالعطاء لم تمتد قط، وكأنها كانت خِنجرًا في صدورهم.
نعطي لأننا نحب، ونساند لأننا نعرف معنى الاحتياج، ونقف بجوار الآخرين لأننا لا نحب أن يواجه أحد ألمه وحيدًا.. أحيان يُعاقب الإنسان على حسن نواياه.
لكن المشكلة تبدأ حين يعتاد البعض على عطائك، فيتحول ما كنت تفعله حبًا إلى شيء يعتبرونه حقًا مكتسبًا.
تمنحهم وقتك، فينسون أنك كنت مشغولًا بهم..
تساندهم في انكسارهم، لكنهم نسوا كل شيء.. وأنك يومًا احتجت إلى من يسندك.
تستر أخطاءهم، فيبحثون عن أخطائك.
تغفر لهم كثيرًا، فيحسبون غفرانك ضعفًا.
وحين تتعب أنت، لا تجد سوى سؤال بارد: ماذا بك؟وكأنهم لم يعرفوا يومًا كم بذلت من أجلهم.
وهنا يأتي الوجع الحقيقي: النكران.. فليس أقسى على الإنسان من أن يرى من أحسن إليهم يتصرفون وكأن إحسانه كان واجبًا، أو أن يسمع منهم ما يوحي بأن وجوده في حياتهم لم يكن يومًا ذا قيمة.
والنكران لا يمحو العطاء، لكنه يترك ندبة في القلب..فما قدمته لم يكن بلا معنى لمجرد أن أحدهم لم يعترف به.. وما فعلته من خير لا يفقد قيمته لأن صاحبه قابلَه بالجحود.. أنت لا تستطيع التحكم في ذاكرة الآخرين، ولا في ضمائرهم، ولا في قدرتهم على تقدير ما منحتهم.
لذلك، لا تجعل نكران أحدهم يحوّلك إلى شخص قاسٍ.. استمر في العطاء، لكن لا تُعطِ على حساب نفسك.
كن كريمًا، لكن لا تسمح لأحد أن يستنزفك.
سامح، لكن لا تجعل المسامحة تصريحًا مفتوحًا لتكرار الأذى.
ساعد، لكن تعلّم أن تقول «لا» عندما يصبح العطاء استنزافًا.
فالعطاء الحقيقي لا يعني أن تمد يدك حتى تنزف، ولا أن تظل واقفًا إلى جوار من يتركك تسقط كل مرة.
هناك فرق كبير بين العطاء وإهدار الذات.
وأحيانًا يكون أجمل عطاء تقدمه لنفسك أن تتوقف عن إعطاء من لا يرى في عطائك إلا واجبًا، ومن لا يتذكرك إلا عندما يحتاج إليك.
لا تندم على خير فعلته، حتى لو كان لمن لم يستحقه.
ولا تندم على قلبٍ أحب، ولا يدٍ امتدت، ولا موقفٍ نبيل اتخذته.
فالخير الذي خرج منك يشبه الضوء؛ لا يعود إلى صاحبه دائمًا، لكنه يظل نورًا يدل على معدنه.
أما من قابل عطائك بالنكران، فاتركه لضميره..فبعض الناس لا يعرفون قيمة النعمة إلا بعد زوالها، ولا يدركون قيمة الشخص إلا عندما يصبح حضوره ذكرى.
وأحيانًا لا يكون الرحيل عقابًا لهم، بل إنقاذًا لك من مكانٍ اعتاد أن يأخذ منك دون أن يسأل: ماذا بقي منك؟
وعندما لا يقدرون وجودك، فافرض عليهم غيابك.
العطاء جميل…
لكن الأجمل أن تعرف لمن تُعطي، ومتى تعطي، ومتى تتوقف.
لأن القلب الذي يُعطي بلا حدود، يحتاج هو أيضًا إلى من يمنحه شيئًا من العطاء.





