عَلَاءُ سَلِيمٍ يَكْتُبُ: أَنْسَابُ الْقُلُوبِ… وَسُلْسَالُ الْعِشْقِ الصَّامِتِ.

عَلَاءُ سَلِيمٍ يَكْتُبُ: أَنْسَابُ الْقُلُوبِ… وَسُلْسَالُ الْعِشْقِ الصَّامِتِ.
ليست كلُّ الأنساب تُكتب في دفاتر العائلات، ولا كلُّ صلات القرابة تجمعها الأسماء والألقاب؛ فثمة أنسابٌ أخرى لا تعرفها سجلات البشر، تنشأ في الخفاء بين قلبين، كأنّ الأرواح قد تعارفت يومًا في زمنٍ لا تتذكّره العقول، ثم التقَت في هذه الحياة لتستكمل حكايةً لم تبدأ هنا.
فبعض القلوب لا تتعارف… بل تتذكّر بعضها!
تلك هي الحيرة الجميلة التي لا يملك العقل تفسيرًا كاملًا لها؛ أن ترى شخصًا للمرة الأولى، فتشعر بأنّ في حضوره شيئًا مألوفًا، وأنّ صوته يلامس فيك وترًا لم تكن تعرف أنّه موجود، وأنّ ابتسامته تمرّ على روحك كأنّها تعرف الطريق إليها منذ زمن بعيد.
لا تعرف لماذا انتبهت إليه دون غيره، ولا لماذا بقيت كلماته عالقةً في ذاكرتك بعد أن نسي الآخرون الحديث، ولا كيف تحوّل حضوره العابر إلى موعدٍ داخليّ تنتظره دون أن تعترف لنفسك بأنّك تنتظره.
وهنا يبدأ سُلسال العشق الصامت؛ ذلك النهر الخفيّ الذي يجري تحت سطح الحياة العادية، بينما يبدو كلُّ شيءٍ من الخارج هادئًا، لا شيء تغيّر، ولا أحد لاحظ شيئًا، ولا كلمة واحدة تجاوزت حدود المألوف.
لكنّ في الداخل حكايةً أخرى!
هناك قلبٌ يُسرع حين يسمع اسمًا بعينه، وعقلٌ يتظاهر بالاتزان، وعينان تتعلّمان كيف تنظران دون أن تُطيلَا النظر، ولسانٌ يمتلك ألف كلمة، ثم يفقد القدرة على قول الكلمة الوحيدة التي ينتظرها القلب.
كم من عاشقٍ جلس بالقرب ممّن يحبّ، فتحدّث عن أشياء كثيرة، إلا الشيء الذي جاء من أجله! وكم من إنسانٍ أجاد إخفاء ارتباكه، بينما كانت روحه ترتّب اعترافًا كاملًا خلف ابتسامةٍ عابرة!
إنّ للعشق الصامت موسيقاه الخاصة؛ لا يسمعها الناس، لكنّ صاحبها يسمعها في أبسط التفاصيل. في صدفة لقاء، وفي رسالةٍ عادية، وفي سؤالٍ لا يحمل في ظاهره شيئًا، لكنه يترك في القلب أثرًا أكبر من حجمه.
وربما كانت أغرب أسرار الإنسان أنّه يستطيع أن يُخفي مشاعره عن العالم كلّه، ثم يعجز عن إخفائها عن نفسه.
ومع ذلك، لا يمضي العاشق في طريقه مطمئنًا؛ فبين رغبة القلب في الاقتراب وخوف العقل من الانكشاف تقف الكرامة، لا لتقتل الحبّ، بل لتحمي صاحبه من أن يضع قلبه في موضعٍ لا يُحسن احتواءه.
فالعاشق الذي يصمت ليس بالضرورة متكبّرًا، كما أنّ الذي يعترف ليس بالضرورة ضعيفًا. قد يكون الصمت خوفًا من خسارة علاقةٍ جميلة، أو خشيةً من أن تكون المشاعر من طرفٍ واحد، أو احترامًا لظروفٍ لا تسمح للحكاية بأن تبدأ.
وأحيانًا يكون الإنسان شجاعًا في كلّ شيء، إلا في الحبّ؛ لأنّ مواجهة العالم أهون عليه من الوقوف أمام شخصٍ واحد، وانتظار إجابةٍ قد تغيّر كلّ شيء.
ما أقسى أن تمتلك شجاعة الكلام في كلّ المواقف، ثم تقف عاجزًا أمام كلمة «أحبّك»؛ ليس لأنّك لا تعرف نطقها، بل لأنّك تعرف جيدًا كم يمكن أن تكلّفك!
وهنا تتجلّى فلسفة أنساب القلوب؛ فليس كلُّ من نحبّهم يصبحون لنا، وليس كلُّ من نشعر بقربهم يشعرون بالقرب ذاته. إنّ الأرواح قد تتآلف في إحساسها، لكنّ العلاقات لا تُبنى بالإحساس وحده؛ تحتاج إلى إرادةٍ متبادلة، ووضوحٍ يحفظ المشاعر، وشجاعةٍ تمنحها فرصةً حقيقية للحياة.
فلا ينبغي أن نخلط بين صدق ما نشعر به واليقين بما يشعر به الآخرون. قد تحمل نظرةٌ معنى عميقًا في قلبك، بينما يراها الطرف الآخر نظرةً عادية، وقد تبني من الصمت قصيدةً كاملة، بينما لا يعرف الطرف الآخر أنّ هناك قصيدةً تُكتب من أجله أصلًا.
لذلك، ليست الحكمة أن نظلّ أسرى الاحتمالات إلى الأبد، ولا أن نكشف كلّ أسرارنا بلا حساب؛ الحكمة أن نعرف متى يكون الصمت احترامًا، ومتى يصبح خوفًا يُضيّع علينا فرصة الصدق.
فالحبّ الذي يستحقّ الحياة لا يُهين كرامة صاحبه، ولا يُجبره على الاستجداء، ولا يُطالبه بأن يظلّ معلّقًا بين الأمل والوهم. إنّما يمنحه مساحةً ليكون صادقًا دون أن يفقد نفسه، وشجاعًا دون أن يتجاوز حدود الآخر.
ولعلّ أجمل ما في بعض الحكايات أنّها تكشف لنا جانبًا من أنفسنا لم نكن نعرفه؛ تجعلنا أكثر رقةً، وأكثر انتباهًا للتفاصيل، وأكثر إدراكًا أنّ القلب، مهما حاول العقل إخضاعه للمنطق، يظلّ مساحةً واسعةً لا تسكنها القواعد وحدها.
لكنّ علينا ألّا ننسى أنّ الحبّ ليس أن نُتقن الاختباء، بل أن نجد يومًا ما نشعر معه بالأمان الكافي كيلا نحتاج إلى الاختباء.
وأنّ الكرامة ليست جدارًا يمنع الاعتراف، بل ميزانٌ يجعلنا نعرف كيف نحبّ دون أن ننكسر، وكيف نقترب دون أن نفرض أنفسنا، وكيف نرحل إن لم نجد في الطريق قلبًا يبادلنا الخطى.
وفي نهاية الحكاية، يبقى السؤال معلّقًا بين نبضةٍ تخشى البوح، وعينٍ تخشى أن تفضح السرّ، وعقلٍ يطلب من القلب أن يتريّث:
هل يصمت العشّاق لأنّهم يخشون أن تنكشف مشاعرهم، أم لأنّهم ينتظرون إشارةً صغيرةً تخبرهم أنّ الاعتراف لن يكون حديثًا مع الفراغ؟
ربما لا نعرف الإجابة دائمًا، لكنّنا نعرف أنّ في هذه الحياة قلوبًا عاشت حكاياتٍ كاملةً دون أن يسمع بها أحد، وأنّ بعض الكلمات لم تُقَل، لا لأنّها كانت قليلة، بل لأنّ معناها كان أكبر من قدرة أصحابها على المجازفة.
سلامٌ على القلوب التي أحبّت برفق، وعلى العقول التي حاولت أن تحميها، وعلى الكرامة التي حفظت للمشاعر قدرها؛ وسلامٌ على كلّ عاشقٍ أخفى في صدره سُلسالًا من الحنين، ومضى بين الناس هادئ الملامح، بينما في داخله حكايةٌ لو نطق بها الشعر، لبكت من جمالها القصائد.
فبعضُ القلوب يجمعها نسبٌ لا يُرى، وبعضُ العشق يجري كسُلسالٍ لا ينقطع، وبعضُ الحكايات تظلّ صامتةً… لا لأنّها بلا صوت، بل لأنّ أصحابها يخشون أن يسمع العالم ما لا يزال القلب يتعلّم كيف يعترف به.




