الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
أجرت الحوار د. أمل درويش.. “الجزء الثالث”
• أستكشف التوتر الدائم بين الانتماء والانفلات،
• في رأيك لماذا فازت المجموعة القصصية ورقة التين بجائزة مسابقة جيوفاني غرونكي الدولية بالمركز الخامس؟ وهل كنت تتوقع الفوز عند المشاركة؟
– فوز “ورقة التين” بالمركز الخامس في مسابقة جائزة جيوفاني غرونكي الدولية لم يكن بالنسبة لي حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لمسارٍ طويل من التجربة والبحث. فقد سبقت ذلك مشاركات عديدة، وحصدت أعمالي—ومنها ديوان “حمامات متكورة”—أكثر من أربع عشرة جائزة دولية ومحلية، بين ميداليات ذهبية وتكريمات في روما، إلى جانب رسائل تقدير من شخصيات دولية مثل جاك شيراك، حسني مبارك، ورومانو برودي، وكذلك البابا يوحنا بولس الثاني.

ومع ذلك، لم يكن الفوز يومًا هو الدافع الأول. أنا لا أكتب بعقلية التوقّع، ولا أتعامل مع النص كوسيلة للوصول إلى جائزة، بل كفعل حرية خالصة. أكتب لأكتشف، لا لأُرضي؛ لأغامر، لا لأكرّر. لا أؤمن بالاقتباس من تجارب الآخرين بقدر ما أؤمن بالبحث عن صوتي الخاص، حتى لو كان ذلك الطريق أقل أمانًا.
أما عن سبب فوز “ورقة التين”، فأظن—دون جزم—أن ما يلفت في العمل الصادق هو اختلافه؛ ربما وجدوا فيه نَفَسًا لا يشبه السائد، أو رؤية تحاول أن تطرح أسئلة بدل أن تقدّم إجابات جاهزة. فالأعمال التي تنبع من حرية داخلية، غالبًا ما تحمل طاقة تصل إلى الآخر، حتى لو اختلفت اللغة أو الثقافة.
لهذا، لم أتوقع الفوز عند المشاركة، ولن أتوقعه مستقبلًا. لأنني ببساطة أترك للنص أن يسير بطريقه، بينما أواصل أنا طريقي في الكتابة—حُرًا، دون أن يتحكّم في عقلي أو رؤيتي أي معيارٍ خارجي.
• ما هو المحرك الحقيقي لإبداع الكاتب؟ وهل الجوائز بالفعل تشكل أهمية كبرى في ذلك؟؟
– أؤمن أن المحرّك الحقيقي لإبداع الكاتب ليس فكرةً مجرّدة، بل شعور حيّ يتدفّق في داخله. بالنسبة لي، كان الحب—بكل تجلياته—هو الطاقة الأولى، وكانت المرأة بوصفها رمزًا للحياة، للإلهام، للدهشة الأولى التي توقظ اللغة من سكونها. من هذا المنبع تنطلق الكتابة، لا كصنعةٍ فقط، بل كحالة وجودية، كنوعٍ من البوح الذي لا يهدأ.
أما الجوائز، فأراها في سياقٍ مختلف. هي قد تفتح أبواب الانتشار، وتمنح النص فرصة للوصول إلى قرّاء جدد، لكنها لا تصنع الإبداع، ولا تُعدّ معيارًا نهائيًا له. فكم من نصٍ عظيم لم يلتفت إليه أحد، وكم من عملٍ حاز التقدير في لحظةٍ زمنية ثم خفت صداه.
الإبداع الحقيقي، في نظري، يظلّ مستقلًا عن أي اعتراف خارجي؛ يولد من صدق التجربة، ومن قدرة الكاتب على الإصغاء لصوته الداخلي. أما الجوائز، فهي مجرد محطة عابرة في رحلة أطول—رحلة البحث عن معنى، وعن جمالٍ لا يُقاس إلا بمدى بقائه في الوجدان.
• الرمزية في أعمال محمد غنيم لها دور كبير في السرد، ومن خلالها يتناول العديد من القضايا الشائكة والمهمة؛ مثل علاقة الأب بالابن، وكذلك قضية الهوية والصراع الدائر ما بين التحرر والتعلق بالجذور… حدثنا عن ذلك..
– أرى أن الرمزية في أعمالي لم تأتِ كخيارٍ جمالي فحسب، بل كضرورةٍ وجودية. فالحياة نفسها، في نظري، ليست سوى شبكة من الرموز والشفرات التي لم ننجح بعد في فكّ طلاسمها أو الاتفاق على يقينٍ واحدٍ بشأنها. من هنا، كانت الكتابة محاولة لفهم هذا الغموض، أو على الأقل الاقتراب منه.
لم أستطع الخروج من “قمقم” هذه الأسئلة إلا عبر الفلسفة، والبحث في الماهية، والاستعانة بالسيميائيات كأداة لقراءة ما وراء الظاهر. لذلك، تحوّلت الرموز في نصوصي إلى مفاتيح، لا لتقديم إجابات جاهزة، بل لفتح أبواب التأويل أمام القارئ.
من خلال هذا البناء الرمزي، تناولت قضايا أراها جوهرية في تشكيل الإنسان المعاصر: الصراع بين التحرر والتشبث بالجذور، إشكالية الهوية في ظل العولمة، والعلاقة المركّبة بين الأب والابن بوصفها مرآةً لصراع الأجيال. هذه القضايا لا أطرحها بشكل مباشر، بل أتركها تتسرّب عبر الشخصيات والأحداث، كتيارٍ خفيّ يُحرّك النص من الداخل.
وأؤمن أن الإنسان، مهما سعى إلى الانفتاح على العالم، يظل بحاجة إلى جذوره؛ فـ”من لا أصل له، لا مستقبل له”. هذه الفكرة كانت حاضرة بوضوح في مجموعتي القصصية “أوراق التين”، وكذلك في “العودة”، حيث حاولت أن أستكشف هذا التوتر الدائم بين الانتماء والانفلات، بين ما نرثه وما نختاره.
في النهاية، الرمزية بالنسبة لي ليست تعقيدًا، بل وسيلة لقول ما لا يُقال مباشرة؛ هي اللغة التي تتيح للنص أن يعيش أكثر من حياة، وأن يُقرأ بوجوهٍ متعددة، كما هي الحياة نفسها.
• العودة.. الجزء الثاني لسر برهومة… كيف وجد برهومة الحياة في قريته بعد العودة؟

– في “العودة”، لم تكن رجعة برهومة إلى قريته عودةً جغرافية بقدر ما كانت هبوطًا عميقًا إلى جوهر الحقيقة التي ظلّ يهرب منها. لقد أردتُ في هذا الجزء أن أكشف القناع عن سرّه، لا عبر إجابةٍ مباشرة، بل من خلال ابتكار مفاهيم تتجاوز الواقع، مثل “الهردوستاين سوك”—ذلك الكيان المتخيَّل الذي يحاول أن يفضح سرّ الإنسان، حتى بعد فنائه وتحوله إلى رماد؛ كأن الحقيقة لا تموت، بل تغيّر شكلها فقط.
حين عاد برهومة، لم يجد القرية كما تركها، بل رآها ككائنٍ مُنهك، يتآكل من الداخل. الطبيعة نفسها بدت شاحبة؛ أشجار التوت التي كانت رمزًا للحياة، تحوّلت إلى بقايا ذابلة، وثمارها المتناثرة لم تعد تُغري، بل تُقزّز—كأن الجمال حين يفقد روحه، ينقلب إلى نقيضه.
الطريق إلى القرية لم يكن مجرد مسارٍ مكاني، بل رحلة سقوطٍ في العبث: تعثّر، تلوّث، ارتباك، إحساس دائم بأن الأشياء الصغيرة—التافهة—قادرة على عرقلة المسير. حتى الجسد لم يعد موثوقًا، بل صار جزءًا من هذا الانهيار.
وحين اقترب، تكشّفت له الصورة كاملة: قرية مشوّهة، محترقة، يغلفها صمتٌ ثقيل، كأنها خرجت لتوّها من كابوس. مشهد الجثة المعلّقة في الساحة لم يكن حدثًا عابرًا، بل ذروة هذا الانهيار؛ جسدٌ يُعلّق كعلامة، ونساءٌ يندبن كأنهنّ يلتففن حول شجرة موت. هنا، تتكثّف الأسئلة: من القاتل؟ ومن الضحية؟ وهل العدل ممكن في عالمٍ اختلطت فيه المعايير؟
برهومة، في تلك اللحظة، لم يعد الباحث الواثق، بل إنسانٌ يتفكك من الداخل. الرؤية تضطرب، والوعي يتلاشى، والرغبة في الفهم تتحوّل إلى رغبة في العمى. فالمأساة ليست في المشهد وحده، بل في العجز عن تأويله.
القرية التي عاد إليها لم تكن مكانًا، بل حالة: حربٌ صامتة. طيور بلا أجنحة، عيون بلا بصر، بيوت بلا أبواب… عالمٌ فقد وظائفه الأولى، وكأن الإنسان فيه لم يعد قادرًا على أن يكون إنسانًا.
ومن هنا، تتحوّل “العودة” إلى سؤالٍ وجودي أكثر منها حكاية:
ما معنى أن نعود، إذا كان ما نعود إليه قد انهار؟
وما معنى الإنسان، إذا تحوّل إلى كائنٍ يغرس الخنجر في الوجدان، وينتزع الطفل من حضن الأمان؟
برهومة لم يجد إجابة، بل وجد نفسه في قلب السؤال—وهنا تكمن الحقيقة التي حاولت الرواية أن تلامسها.





