الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
أجرت الحوار د. أمل درويش.. “الجزء الثاني”
•الكتابة للطفل تتطلب خيالًا خصبًا، قادرًا على التحليق دون أن ينفصل عن براءة الإدراك الأولى
• عرفت أنك مقبل على إعادة ترجمة الرواية لنشر الطبعة الثانية؛ فهل ستختلف الترجمة الثانية؟ وهل ستضيف جديد عليها؟
– بعد الرحلة التي قطعتها “سر برهومة”—من صدورها في طبعتين عن دور نشر إيطالية، إلى حضورها في بعض الأوساط الأكاديمية، ثم انتقالها إلى العربية عبر دار أخبار اليوم—أدركت أن النجاح الخارجي لا يعني بالضرورة اكتمال الرضا الداخلي.
فالترجمة العربية، رغم أهميتها في إعادة العمل إلى بيئته الأولى، لم تُرضِني بالقدر الذي كنت أطمح إليه؛ شعرت أن شيئًا من روح النص قد تسرّب بين الكلمات، وأن المسافة بين اللغة الأصلية—الإيطالية—والنص العربي لم تُجسر كما ينبغي. لذلك، كان قراري بإعادة الترجمة أقرب إلى فعل استعادة، أو محاولة لإنقاذ الصوت الأصلي من ظلال التأويل.
في هذه الترجمة الجديدة، لا أسعى فقط إلى نقل المعنى، بل إلى إعادة خلق التجربة ذاتها: أن تحتفظ اللغة العربية بنَفَسها الخاص، دون أن تفقد حرارة النص الأول، وأن يظل البعد الفلسفي حاضرًا، لا كمصطلحات جامدة، بل كتيار حيّ يتدفّق بين السطور.

أما عن الإضافة، فهي لن تكون في جوهر الحكاية بقدر ما ستكون في عمقها؛ ربما إعادة صياغة بعض المقاطع، أو توسيع لحظات التأمل، أو منح الشخصيات مساحات أكثر بوحًا. إنها ليست كتابة جديدة، بل إنصاتٌ أعمق للنص، كما لو أنني أقرأ نفسي بعد زمن، وأحاول أن أكون أكثر صدقًا ودقة.
لقد ناقشت بالفعل إمكانية نشر هذه النسخة في معرض القاهرة الدولي للكتاب مع بعض دور النشر، لكنني لم أجد بعد العرض الذي يوازي ما أطمح إليه. ومع ذلك، لست في عجلة من أمري؛ فبعض الأعمال تحتاج أن تنضج مرتين: مرة حين تُكتب، ومرة حين يُعاد اكتشافها.
• أيهما أصعب الكتابة للأطفال أم للكبار؟
– الكتابة للطفل والكتابة للكبار ليستا درجتين على سُلّمٍ واحد، بل مساران متوازيان، لكلٍ منهما صعوبته وجماله الخاص.
فالكتابة للطفل تتطلب خيالًا خصبًا، قادرًا على التحليق دون أن ينفصل عن براءة الإدراك الأولى. هي ليست تبسيطًا للفكرة بقدر ما هي إعادة خلقٍ للعالم بلغةٍ ترى الأشياء بدهشةٍ متجددة. يحتاج الكاتب هنا إلى فهمٍ عميق لنفسية الطفل، لأسئلته الصامتة، ولمخاوفه الصغيرة التي تبدو كبيرة في عينيه، وأن يمتلك القدرة على مخاطبته بصدق دون ادعاء أو تعالٍ.
أما الكتابة للكبار، فهي أكثر اتساعًا وتشعّبًا؛ لا يكفي فيها أن يكون الكاتب ملاحظًا اجتماعيًا، بل ينبغي أن يمتلك رؤية شاملة، قادرة على تفكيك الواقع وإعادة تركيبه، وأن يغوص في تعقيدات النفس البشرية، بما تحمله من تناقضات وأسئلة وجودية. إنها كتابة تتطلب وعيًا بالتجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة، لا مجرد نقلٍ لها.
لذلك، فالصعوبة هنا نسبية؛ الطفل يحتاج إلى قلبٍ نقي وخيالٍ حر، بينما يحتاج الكبير إلى عقلٍ متأمل وبصيرةٍ نافذة—وفي الحالتين، الكاتب الحقيقي هو من يستطيع أن يصدق في لغته، أيًا كان من يخاطب.
• حين قررت الكتابة للأطفال، لجأت لسرد حكاية خرافية تحت عنوان النسر السحري، لماذا ينجذب الأطفال لعالم الخيال؟ هل هروبا من واقعهم المحاصرين فيه بالكثير من القيود؟ أم فرصة للجموح والإعلان عن الرغبة في التحرر من الواقع!
– لم تكن الكتابة للأطفال قرارًا مُخططًا بقدر ما كانت استجابةً عفوية لنداءٍ جاء من الخارج… وربما من الداخل أيضًا. جاءت البداية مصادفة، حين دعتني جمعية Les Cultures للمشاركة في فعالية بعنوان “قصص للأطفال من العالم”، حيث يقدّم كل فنان حكاية من تراث بلده. طُلب مني أن أروي قصة من التراث المصري، فوافقت، وصعدت إلى المسرح وأنا محمّل بذاكرةٍ قديمة.
في تلك اللحظة، لم أكن مجرد راوٍ، بل عدت طفلًا من جديد. اغرورقت عيناي، واستيقظ في داخلي ذلك الممثل القديم، فصرخت بعفوية : “شهبور شهبور فولا أمور”— كأنها تعويذة للعبور إلى عالمٍ آخر. ومن هناك، بدأت الحكاية تولد ارتجالًا؛ لم أكتبها مسبقًا، بل عشتها، جسّدت أصواتها وشخصياتها، فتجاوب الأطفال معي بصدقٍ نادر، كأننا نتقاسم الحلم ذاته.
بعد العرض، سألني رئيس الجمعية عن كاتب القصة، فأجبته: “أنا”. ومن هنا، لم تعد الحكاية لحظة عابرة، بل مشروعًا حيًا. تحوّلت إلى قصة مكتوبة، أُنجزت لها رسوم عبر مسابقة في إحدى المدن الإيطالية، ثم وُزّعت في مدارس المحافظة، لتولد رسميًا “النسر السحري”.
أما عن انجذاب الأطفال إلى الخيال، فأراه أعمق من مجرد هروب. الخيال ليس انسحابًا من الواقع، بل إعادة تشكيل له. الطفل، في عالمٍ تحكمه القواعد الجاهزة والإجابات المعلّبة، يبحث عن مساحةٍ يختبر فيها حريته الأولى، حيث يمكنه أن يسأل دون خوف، وأن يحلّق دون سقف.
نعم، قد يكون الخيال ملاذًا من واقعٍ مُقيّد، لكنه أيضًا فعل تمرّد نقي، وإعلان مبكر عن رغبة الإنسان في تجاوز ما يُفرض عليه، لا بالرفض المباشر، بل بإعادة تخيّله. في “النسر السحري”، كان الطفل لا يهرب فقط، بل يعيد اختراع العالم—بعينٍ لا تؤمن بأن ما هو قائم هو بالضرورة ما يجب أن يكون.
• من وجهة نظرك، هل توجد خلطة خاصة للفوز بالمسابقات؟ خاصة في عالمنا العربي..
لا أستطيع الادعاء بأن هناك “خلطة سحرية” مضمونة للفوز بالمسابقات، خاصة في عالمنا العربي، لأنني ببساطة لم أنخرط بما يكفي في آلياتها أو سياساتها لأفهم كيف تُدار من الداخل.
لكن من زاوية أعمق، أظن أن فكرة “الخلطة” نفسها قد تكون مضلّلة؛ فالإبداع الحقيقي لا يُصاغ وفق وصفة جاهزة، ولا يُولد من محاولة إرضاء لجان التحكيم بقدر ما ينبع من صدق التجربة وفرادتها. الكاتب الذي ينشغل كثيرًا بكيفية الفوز، قد يبتعد دون أن يشعر عن جوهر الكتابة نفسها.
ربما يمكن القول إن ما يفيد الكاتب ليس السعي وراء الفوز، بل السعي وراء نصٍ حيّ، يحمل رؤيته الخاصة ويعبّر عنه بصدق. أما الجوائز، فهي—في أفضل حالاتها—اعترافٌ عابر بقيمة ما، وليست معيارًا نهائيًا لها.
لذلك، إن كانت هناك “خلطة” ما، فهي ليست تقنية بقدر ما هي إنسانية: أن تكتب ما تؤمن به، لا ما يُتوقع منك، وأن تترك النص يذهب إلى العالم كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.





