ثقافةقصصمقالات

الصحابي الذي رفض أن يصبح خليفة ثلاث مرات!

[ شخصيات مؤثرة ] ...

في بيتٍ عُرف بالإيمان والعدل، نشأ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وُلد في مكة المكرمة في السنة الثالثة من البعثة النبوية، ولم يكن قد تجاوز طفولته حين أسلم مع والده عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم هاجر إلى المدينة وهو في الحادية عشرة من عمره، ليقضي شبابه في كنف رسول الله ، ويتحول مع مرور الأيام إلى واحد من أكثر الصحابة اتباعًا للسنة وأشدهم ورعًا.

 

كان قلبه متعلقًا بالنبي تعلقًا عجيبًا. يحرص على حضور مجالسه، وإذا غاب عن موقف أو حديث سأل من شهده حتى لا يفوته شيء من هديه. وحين خرج المسلمون إلى بدر، جاء الفتى الصغير يطلب شرف القتال، لكن النبي رده لصغر سنه. وتكرر الأمر في أحد، حتى جاء يوم الخندق، وقد بلغ الخامسة عشرة، فأذن له بالمشاركة، لتبدأ رحلة طويلة من الجهاد لم تنقطع حتى وفاة النبي .

 

ومنذ ذلك اليوم شهد المشاهد كلها مع رسول الله ، ثم خرج بعد وفاته في ميادين الفتوح الإسلامية، فشارك في اليرموك والقادسية وجلولاء وفتح مصر، وحروب فارس، وفتوح إفريقية وغيرها، جامعًا بين شرف الصحبة وشرف الجهاد.

 

وكانت أمه زينب بنت مظعون، وأخته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، مما أتاح له القرب من بيت النبوة، فازداد معرفةً بأحوال النبي وعبادته وأخلاقه، وهو ما انعكس على حياته كلها.

 

ولم يشتهر عبد الله بن عمر بكثرة الجهاد وحدها، بل عُرف قبل ذلك وبعده بأنه من أعظم الناس اقتداءً برسول الله . كان يتتبع سنته في أدق التفاصيل؛ في عبادته، ولباسه، وطعامه، وسفره، وحتى في المواضع التي نزل فيها النبي أو صلى فيها. وكان يرى أن أعظم شرف للمؤمن أن يسير على خطى رسول الله في كل صغيرة وكبيرة.

 

ولهذا أصبح من أكثر الصحابة رواية للحديث، فروى عن النبي ، وعن أبيه عمر، وأبي بكر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وحفصة وغيرهم، وروى عنه كبار التابعين، مثل نافع مولاه، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سيرين، وابنه سالم وغيرهم. وقد بلغ ما روي عنه أكثر من ألفين وستمائة حديث، اتفق الإمامان البخاري ومسلم على إخراج مئتين وثمانين منها.

 

وكانت عبادته صورةً حية لما تعلمه من رسول الله . ففي شبابه رأى في المنام كأن ملكين ساقاه نحو النار، فاستيقظ فزعًا، وقصت أخته حفصة الرؤيا على النبي ، فقال: **«نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»**. فكانت تلك الكلمات نقطة تحول في حياته، فلم يعرف عنه بعدها إلا طول القيام وكثرة التهجد، حتى صار الليل عنده وقتًا للقرآن والذكر والدعاء.

 

وكان إذا سمع آيات الوعيد بكى حتى يغلبه البكاء. وقُرئت يومًا عنده سورة المطففين، فلما بلغ القارئ قوله تعالى: **﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾** لم يتمالك نفسه، فبكى طويلًا حتى عجز عن مواصلة القراءة.

 

أما زهده في الدنيا، فكان مضرب المثل. لم يكن المال يستقر في يده طويلًا؛ فما إن يُرزق شيئًا حتى يوزعه على الفقراء والمحتاجين. أُهدي إليه ذات ليلة عشرة آلاف درهم، فلم يغمض له جفن حتى أنفقها كلها في سبيل الله. وفي مرة أخرى جاءه أكثر من عشرين ألف درهم، ففرقها بين الناس، حتى اضطر إلى الاستدانة ليتم ما اعتاد عليه من الإحسان. وأعتق خلال حياته أكثر من ألف مملوك، وكان لا يكاد يجلس إلى طعام إلا وأجلس معه يتيمًا أو مسكينًا.

 

وكان مع هذه العبادة والتقوى متواضعًا بعيدًا عن مظاهر الكبر. وكان يخضب لحيته بالصفرة اقتداءً بالنبي ، ويحرص على اتباع هديه في هيئته كما يحرص على اتباعه في عبادته.

 

لكن أعظم ما يلفت النظر في شخصية عبد الله بن عمر رضي الله عنه، لم يكن علمه ولا عبادته ولا كرمه، بل موقفه من الفتن التي عصفت بالأمة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

 

ففي الوقت الذي تنازع فيه الناس السلطة، وتنافسوا على الحكم، اتجهت الأنظار إلى عبد الله بن عمر. فقد كان ابن الفاروق، وأحد كبار الصحابة، وصاحب المكانة العظيمة بين المسلمين. فجاءه الناس يقولون: **أنت سيد الناس وابن سيدهم، فهلم نبايعك خليفة.**

 

لكن جوابه كشف عن معدن رجلٍ كان يخشى الدماء أكثر مما يشتهي السلطان.

 

قال لهم: **”أما والله، ما دام فيَّ روح فلن يُهراق فيَّ محجمة من دم.”**

 

حاولوا إقناعه مرة بعد أخرى، بل هدده بعضهم بالقتل إن لم يخرج إليهم، لكنه بقي ثابتًا على موقفه، مكررًا أنه لا يريد أن يكون سببًا في سفك دم مسلم واحد.

 

ومرت السنوات، وتعاقب الخلفاء، حتى تنازل معاوية بن يزيد عن الخلافة بعد فترة قصيرة من توليه، فعاد اسم عبد الله بن عمر يبرز من جديد. فجاءه مروان بن الحكم يقول له:

 

“هلم يدك نبايعك، فإنك سيد العرب وابن سيدها.”**

 

فسأله عبد الله بن عمر سؤالًا واحدًا:

 

“وكيف أصنع بأهل المشرق؟”**

 

قال مروان:

 

“تقاتلهم حتى يبايعوا.”**

 

فأغلق عبد الله بن عمر باب الخلافة بكلمة بقيت من أعظم كلمات الزهد في السلطة:

 

“والله، ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأن يُقتل بسببي رجل واحد.”

 

كانت الخلافة في نظره لا تساوي قطرة دم لمسلم.

 

ولذلك اعتزل القتال الذي وقع بين المسلمين، ولم يحمل سيفًا في تلك الفتن. كان يصلي خلف من يقيم الصلاة من المسلمين، لكنه يرفض المشاركة في أي قتال بينهم. ولما سُئل عن موقفه قال:

 

**”من قال: حي على الصلاة، أجبته. ومن قال: حي على الفلاح، أجبته. ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله، قلت: لا.”**

 

وكان يسمع الناس يدعونه إلى الانضمام لهذا الفريق أو ذاك، فيردد متألمًا أن الجميع قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم يقتل بعضهم بعضًا، ثم يطلبون منه أن يكون معهم، وهو يأبى أن يشارك في دماء المسلمين.

 

حتى الحجاج بن يوسف كتب إليه يتهمه بأنه يطمع في الخلافة، فرد عليه في رسالة قصيرة حاسمة:

 

“أما الخلافة فما طلبتها، وما هي من بالي.”

 

ثم دافع عن نفسه مما نُسب إليه، مؤكدًا أن حفظ القرآن ليس عيًا، وأداء الزكاة ليس بخلًا، وأن غيرته إنما هي على دينه وأهله.

 

وهكذا مضت حياة عبد الله بن عمر رضي الله عنه؛ جهادٌ في شبابه، وعلمٌ في كهولته، وعبادةٌ في ليله، وسخاءٌ في نهاره، وابتعادٌ عن كل ما يجر إلى دماء المسلمين.

 

وفي سنة ثلاث وسبعين للهجرة، وبعد أن أدى الحج، توفي بمكة المكرمة عن أربع وثمانين سنة، بعدما أفنى عمره في اتباع سنة رسول الله ، وتعليم الناس، وإغاثة المحتاجين، والبعد عن الدنيا ومناصبها.

 

لقد ترك عبد الله بن عمر للأمة درسًا خالدًا؛ أن التقوى ليست كثرة العبادة وحدها، وأن العالم الصادق لا يقاس بما يناله من سلطان، بل بما يتركه من أثر، وأن أعظم انتصار قد يكون أحيانًا في رفض السلطة إذا كان ثمنها دماء المسلمين.

.

.

.

المصدر: [ شخصيات مؤثرة ]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى