مقالات

الوطن : حكاية حب بين الأمس واليوم

الوطن : حكاية حب بين الأمس واليوم

بقلم : الإعلامية /دكتورة هاله فؤاد

الوطن ليس أرض وحدود وبيوت وشجر وزروع ، الوطن حضن ،حب، دفء أمان ،إحتواء ،إنتماء ،ملجأ .
الوطن هو المكان الذي ولدنا فيه وتربينا على أرضه وأكلنا من خيره وشربنا من مياهه وتنفسنا هوائه .
حب الوطن حب فطري يتغلغل داخل النفس ويدخل القلوب بلا استئذان .
الوطن هو الأسرة الصغيرة والأسرة الكبيرة ،هو الأقارب والأصدقاء.
الوطن هو السند لمن لا ظهر له .
وطني لو شغلت بالخلد عنه : نازعتني إليه في الخلد نفسي للشاعر أحمد شوقي .
والوطن هو البيت وشجرة التوت وقن الدجاج وقفير النحل ورائحة الخبز والسماء الأولى ، كما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش الملقب بشاعر المقاومة .
الوطن لمة وونس وقعدة حلوة تجمعنا وغنوة .
لا يوجد أي إنسان يمكن أن ينكر حب الوطن والإنتماء إليه ،لكن هل ما زال موجود الحب والإنتماء والإحساس بالوطن زي زمان .
تعالوا معي في جولة زمان والآن.
كان الوطن زمان ضحكة، في الشارع وناس بتساعد بعضها ،وبتقابل بعض بالابتسامه والبشاشه والترحيب .
كانت الشوارع أكثر هدوءا والناس يمشون على مهل .
كان هناك إحترام متبادل و لباقه وجدعنة وشهامة، حيث تجد الناس تساعد الكبير وتعطف على الصغير وتحن على الغريب .
كان الجيران عائلة واحدة يتبادلون أطباق الطعام ،كانوا يحترمون شعور بعضهم البعض ، فيمكن تأجيل الفرح إذا كان جارهم في عزاء ،أما الآن فتجد فرح بجانب سرادق عزاء.
الشارع الآن مهرجان ،زحام شديد،سرعة ،توتر ،عصبية ، كلكسات بدون مناسبة،الكل مستعجل ،ليه مش عارفه!!!!!! .
تسمع في الشارع مالذ وطاب من الألفاظ البذيئة ، ناهيك عن خناقات الأيدي ، وربما تجد من يذبح الآخر في الشارع ، ولا يتحركون لإنقاذ الضحية ، ولكن يكتفون بتصوير الجريمة للحصول على الترند والنقود بالطبع .
إنتهت اللمة بسبب السوشيال ميديا ، كل فرد من أفراد الأسرة في عالمه الافتراضي وبالتالي قلت الزيارات والمقابلات ، وصلة الرحم ، ولمة العائلة في عطلة نهاية الأسبوع.
والجيران مش بس ما فيش تبادل زيارات ،ولا طعام زي زمان ، لا حتى الجار ما يعرفش شكل جاره،وده إتضح في زلزال أكتوبر عام 1992 ميلادية لما كل الناس نزلت الشارع ما كانش حد عارف شكل جيرانه ، ودي حقيقة ليست مبالغة .
أما أسلوب التعامل فأصبح الاحترام والرقي في عداد الأموات ،وحل محله البذاءة والفظاظة والغلظة في التعامل .
في ظل العولمة وأنماط المعيشة الاستهلاكية ،والتطور التكنولوجي ،وإنتشار السوشيال ميديا التي ساهمت في العزف على الثقافات والهويات ،والإنفتاح على ثقافات أخرى مختلفة .
تغيرت أفكار الإنتماء للوطن فبعد أن كان الإنتماء عاطفي ومباشر وغير مشروط ويعتمد على القومية والمشاركة الجماعية ، أصبح الآن مشروط وعقلاني ،يقارن بالخارج .
زمان كانت الأغاني : ما تقولش إيه إديتنا مصر ونقول هندي إيه لمصر.
اما الآن فبقت :
إزاي ترضي لي حبيبتي أعشق إسمك : وإنت عماله تزيدي في حيرتي وما انتش حاسة بطيبتي ازاي .
ازاي أنا رافع راسك وانت بتحني في راسي ازاي .
لكي نكون منصفين لا يجب إلقاء اللوم على الشباب وتغير مفاهيمه بالنسبه للإنتماء، لأن التغيرات الإجتماعية والثقافية والانفتاح على الآخر ،والبطالة وضعف الرواتب ،وعدم وجود عدالة إجتماعيه .
فمثلا شابان يحصلان على نفس الدرجات وأحدهما بواسطة يعمل في شركه إستثمارية بمرتب خيالي ،وآخريحصل على وظيفة حكومية لا تكاد تكفي قوت يومه، وهما على دكة واحدة في المدرسة والجامعة ونفس المجهود ونفس الدرجات .
زمان لم يكن هناك هذا التفاوت الإجتماعي ،وإنتشار الواسطة بهذه الطريقه البشعة .
بالطبع انا لا أبرر عدم الإنتماء ولكن أبحث معكم عن الأسباب الجوهرية لكي نجد لها حلولا على أرض الواقع .
فلنبدأ أولا بمحاربة الفساد بكافة أنواعة الذي إستشرى في جميع نواحي الحياة.
والتي تحاول الجهات الحكومية مشكورة في كشفها تباعا ،ولكن نرجو زيادة الإهتمام لأن هذا ليس بكافي ، الفساد أكثر بكثير من القبض على فلان وعلان لفسادهما ، لا الفساد اكبر بكثير .
الفساد بين الصغار والكبار فيجب تشديد الرقابة على كافة المؤسسات .
ولتقوم كل مؤسسة بدورها .
الإعلام التقليدي أصبح منصة الترند ، يروج لما ينشر على السوشيال ميديا حتى لو كان ضد القيم والأخلاق بل والإنتماء.
يرسخ للشخصيات الجاهلة ويستضيفها على أنهم قدوة مما يفقد الشباب الثقه بالنفس وبالانتماء.
أين إعلامنا الراقي الذي كان يناقش قضايا ، وكان المذيع والمذيعة في صورة لائقة وراقية تثير الإعجاب.
يقدمون نماذج تصلح لأن تكون قدوة لشبابنا .
يجب على مؤسسات المجتمع المدني المشاركة في توظيف الشباب وإشراكهم في التنميه لترسيخ الإنتماء داخلهم .
وأيضا على الجهات المختصة مراقبة السوشيال ميديا بل والإعلام التقليدي لمحاسبة من يروجون لأفكار هدامة تؤثر على شبابنا .
الإنتماء الآن يواجه تحديات كثيرة لذلك يجب تكاتف جميع المؤسسات بداية من الاسرة والمدرسة إلى الإعلام ومؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني .
أحمد الله تعالى أني عشت الزمن الجميل برقيه وإنتماءه وجماله وتكاتفه .
وهذا لا يعني أن الصورة مظلمة ولكن تحتاج إزالة ما يعيق رؤيتها الرؤية الصحيحة .
فشباب مصرسيظل دائما نموذجا وقدوة رائعة وملهمة للوطنيه والانتماء برغم ما يواجه من تحديات .
تحيا مصر، تحيا مصر، تحيا مصر .

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى