ثقافةقصصمقالات

جحا على باب الوزير ؛ والموت على الطريق …

◙ سطور من واحة الظلال - تكتبها : دنيا عبدالفتاح النجار ...

◙ سطور من واحة الظلال – تكتبها : دنيا عبدالفتاح النجار …

كان يا ما كان في مملكة لا توجد على خرائط الجغرافيين لكنها موجودة في دفاتر الحكايات مملكة اسمها مملكة الكرسي الثابت.

.

فهى مملكة عجيبة لا تشبه كل الممالك ولا تنتهي فيها الحكايات فيها كانت الطرق تروي أخبار العابرين والقطارات تحمل أحلام المسافرين والميكروباصات تحفظ ضحكات من رحلوا كل يوم تبدأ حكاية جديدة وتنتهي صفحة بوجع جديد بينما يبقى الكرسي ثابتا لا يتحرك ولا يخاف من الطريق.

.

عاش(جحا) في هذه المملكة لكنه لم يعد جحا الذي يضحك الناس بحكاياته القديمة فقد وجد أن الواقع أصبح أكثر سخرية من كل حكاياته.

.

وكان يجلس بجواره صديقه (صابر )الرجل الذي حمل من الصبر ما يكفي لسنوات طويلة حتى أصبح اسمه يشبه حكايته.

 فقال (جحا) لصديقه (صابر) أتدري لماذا سميت هذه المملكة بمملكة الكرسي الثابت؟

لأن أهلها اكتشفوا سرا عجيبا أن كل شيء فيها قابل للتغيير إلا الكرسي.

.

تنهد (صابر) قليلا ثم قال يا (جحا) لماذا توقفت عن رواية الحكايات المضحكة؟ ابتسم (جحا) وقال لأن الحكايات عندنا لم تعد تحتاج إلى كاتب هي تكتب نفسها.

.

ثم فتح (جحا) دفتره وقال كل بلاد الدنيا تكتب تاريخها بالانتصارات أو بالهزائم أما نحن فصرنا نكتبه بمحاضر الحوادث كل صفحة تبدأ بطريق وتنتهي بمقبرة وبينهما بيان رسمي يعدنا بأن الحكاية لن تتكرر ثم تتكرر.

.

نظر (صابر) إلى الدفتر وقال وما الذي كتبته اليوم يا (جحا)؟

قال كتبت حكاية شعب خرج يبحث عن الحياة فوجد الموت ينتظره على الطريق.

نظر (صابر) إلى (جحا) وقال وهل هذه حكاية أم وجع؟ رد (جحا) إنها حكاية طويلة يا (صابر) أبطالها ناس بسطاء خرجوا يبحثون عن الرزق ولم يعرفوا أن بعض الطرق تخبئ لهم نهاية لم يختاروها حكايات الطريق.

.

قال (جحا) في مملكة الكرسي الثابت رأيت قطارات تحمل الناس بين المدن ركاب يحملون حقائبهم وأحلامهم وموعدا ينتظرهم في آخر الرحلة لكن بعض الرحلات لم تصل كما بدأت قطارات خرجت عن القضبان ورحلات تحولت من طريق إلى بيوت عزاء.

وركاب كانوا ينتظرون محطة الوصول فإذا بهم ينتظرون خبر النهاية.

ورأيت ميكروباصات تحمل العمال والموظفين والفتيات اللاتي خرجن بحثا عن لقمة العيش.

خرجوا في الصباح بأحلام صغيرة..

راتب آخر الشهر..

ضحكة مع الأسرة..
.

لكن بعضهم عاد في حكاية مؤلمة وبقيت الصور بدل أصحابها.

رأيت مزلقانات تحتاج إلى مزيد من الانتباه وأتوبيسات تنقلب وسيارات نقل تتصادم وطرقا تحفظ أسماء من رحلوا أكثر مما تحفظ أسماء الأماكن.

 

جلس (صابر) صامتا ثم قال يا (جحا) لماذا تتكرر الحكاية؟

نظر (جحا) إلى الطريق وقال:

لأننا أحيانا نغلق ملف الحادث قبل أن نغلق أسبابه كل مرة يأتي السؤال نفسه كيف حدث هذا؟ولماذا حدث؟وكيف لا يتكرر؟

ثم تمر الأيام وتأتي حكاية جديدة ويعود السؤال من جديد.

 

رفع (صابر) عينيه وقال وماذا يريد الناس يا (جحا)؟

ابتسم (جحا) وقال لا يريدون معجزة.

لا يريدون طرقا من ذهب ولا قطارات تطير في السماء يريدون فقط أن يخرجوا من بيوتهم للعمل والرزق ثم يعودون إليه.

 

أغلق (جحا) دفتره ووضعه بجوار صديقه صابر.

فسأله صابر وماذا ستكتب في آخر صفحة؟

فكر (جحا) قليلا ثم قال سأكتب أمنية بسيطة ؛ أن يأتي يوم يتغير فيه الكرسي عندما يفشل قبل أن تتكرر الحوادث.

فالمملكة لا تحتاج إلى كراسي ثابتة.

بل تحتاج إلى مسؤولين يجعلون حياة الناس أهم من بقاء المقاعد.

 

ثم أغلق (جحا) دفتره وقال:

لعل أجمل حكاية أن يعود كل إنسان إلى بيته سالما فالكراسي يمكن أن تتغير لكن الأرواح إذا رحلت لا تعود.

الكرسي مسؤولية لخدمة الناس وليس مكانا يبقى فيه أحد إلى الأبد.

فعندما تصبح حياة الناس أغلى من ثبات الكراسي عندها فقط تنتهي الحكاية.

 

وبقيت مملكة الكرسي الثابت تنتظر اليوم الذي تصبح فيه الطرق طريقا للحياة لا طريقا للفقد ويصبح الخبر الأجمل في آخر النهار (عاد الجميع إلى بيوتهم سالمين).

 

وانتهت الحكاية…

لكن دفاتر الحوادث ما زالت مفتوحة.

ونأمل ألا تكتب الصفحة القادمة اسما جديدا.

 

ربما كانت هذه حكاية جحا لكنها في الحقيقة أمنية كل إنسان

أن يخرج من بيته مطمئنا ويعود إليه سالما.

فلا يوجد كرسي يساوي روحا ولا منصب يستحق دمعة أم.

 

أما أنا فلست كاتبة هذه الحكاية بل سمعتها من جحا وهو يحكيها لصديقه صابر على باب مملكة الكرسي الثابت.

نقلتها كما سمعتها فإن أعجبتكم فهي من جحا وإن أزعجتكم  فاسألوا صاحب الحكاية.

فبعض الحكايات لا تحتاج إلى كاتب لأنها تكتب كل يوم على أرض الواقع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى