ثقافةمقالات

حكاية خوف : حين يخاف الناس من أصواتهم !

سطور من واحة الظلال - تكتبها : دنيا عبدالفتاح النجار

هي ليست مجرد حكاية خوف.

 

إنه خوف بدأ صغيرا كهمسة عابرة في القلب لا يكاد يرى أو يسمع ثم نما بهدوء حتى اتسع حضوره وملأ المكان.

 

بدأ الأمر بكلمة تأخرت وسؤال تردد صاحبه في طرحه وحقيقة آثرت الصمت على المواجهة.

 

لم يكن أحد يظن أن تلك اللحظات الصغيرة ستصنع كل هذا الأثر لكن الخوف لا يكبر دفعة واحدة بل يكبر مع كل كلمة لا تقال ومع كل رأي يخفى ومع كل سؤال يموت قبل أن يرى النور.

 

ومع مرور الأيام اعتادت الأرواح السكوت حتى صار الصمت مألوفا كصديق قديم وأصبح الكلام مغامرة لا يجرؤ عليها إلا القليل واتسعت المسافة بين الإنسان وصوته حتى جاء وقت أصبح فيه كثيرون يخشون التعبير عن أفكارهم أكثر مما يخشون القيود نفسها.

 

وبين يوم وآخر فقدت الكلمات بريقها وتعلمت القلوب أن تخفي ما تشعر به فلم يعد الصمت علامة رضا بل صار رفيقا للتعب وأصبحت الحقيقة تبحث عمن يمنحها صوتا.

 

في مملكة الصمت يصمت السؤال لا تموت الإجابات فقط بل يضعف الفضول وتتراجع الرغبة في الفهم ويصبح التفكير نفسه عبئا يخشاه البعض.

 

ومع الأيام أصاب الخوف بعض الأرواح بخرس هادئ لا يرى خرس لا يمنع الكلام لكنه يمنع الحقيقة من الوصول إلى صوتها فتتراجع الكلمات إلى أعماق القلب وتبقى الآراء أسيرة الصمت بينما كانت العيون تتكلم أكثر من الشفاه والوجوه تخفي أكثر مما تظهر وكأن الحقيقة نفسها صارت تؤمن بفضيلة الصمت.

 

ومع الأيام تراكم الصمت فوق الصمت حتى صار السكوت لغة مألوفة بين الجميع وهناك لم تخسر الكلمات مكانها فقط بل تراجعت الحرية خطوة أخرى إلى الخلف.

 

 فالكلمات التي لا تقال لا تموت بل تبقى في الداخل وتؤلم القلب بصمت ومع الوقت يمتد الخوف إلى الأحلام فيقيدها قبل أن تكبر وتبقى الحرية أمنية مؤجلة يشتاق إليها الجميع ويؤجلها الخوف مرة بعد أخرى.

 

وحين نامت الأصوات ظن كثيرون أن الهدوء دليل رضا بينما كان في الحقيقة صمتا يخفي الكثير من التعب.

 

فالأصوات لا تنام إلا بعد طول انتظار ولا تبتعد إلا حين تفقد الأمل في أن تجد آذانا تسمعها ومع الأيام يزداد الصمت قوة ويتعمق الخوف في القلوب فتبدأ الأرواح رحلتها بحثا عن نافذة تطل منها على الضوء والحرية.

 

وحين تكون الطاعة نابعة من الخوف لا من القناعة فإنها تسرق من الإنسان صوته أولا ثم ثقته بنفسه حتى يعتاد الصمت ويظن أن السكوت أكثر أمانا من الكلام.

 

قد يطول الخوف وقد يعلو الصمت لكن الكرامة تبقى حية في الوجدان وحين يتذكر الإنسان حقه في السؤال والكلام يبدأ الخوف في التراجع ويجد صوته طريقه إلى النور من جديد.

 

وحدها الكلمة الصادقة قادرة على فتح النوافذ المغلقة ووحدها الأصوات الحرة قادرة على إعادة الضوء إلى القلوب.

 

وعندما يتكلم الإنسان بلا خوف تبدأ الحرية طريقها إلى الحياة وتصبح الحرية حقا يعاش لا حلما ينتظر.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى