مقالات

سردية بلا ضفاف تفاهة رجع من الغردقة

بقلم السيد حافظ

سردية بلا ضفاف
تفاهة رجع من الغردقة

بقلم السيد حافظ

لم يعد بوسعنا العودة إلى الوراء.
الإسكندرية الحقيقية، القديمة، الوحيدة… تراجعت في الذاكرة،
كأنها لم تكن مدينة، بل احتمالًا ضاع.
لم أتمكن يومًا من الغناء على البحر.
كنت أفتح فمي…
فيخرج الصمت.
وفي مكانٍ بعيد،
كان الرئيس اللبنانيّ يتحدث عن أن المفاوضات ضرورة… في واشنطن،
كأن العالم كله يبحث عن طريقةٍ أنيقةٍ للهزيمة.
كان سمير ندا—الأديب الكبير—يطلب مني،
حين يأتي إلى الإسكندرية عام (1975)،
أن أذهب معه إلى بير مسعود في التاسعة مساءً.
يتركني… على الكورنيش ويذهب إلى البئر،
وهناك يصرخ. لم يكن صراخه صوتًا،
كان محاولة لثقب السماء.
صلاة؟
ربما.
أم مفاتيح للجنان؟
أم أبواب للجنون؟
ثم يعود إلى سور الكورنيش،
وأنا أنتظره… كأن الانتظار مهنتي.
نسير.
نصمت.
ولا كلمة مرور تفتح أبواب السعادة.
كان يعود إلى القاهرة ليلاً… أو قليوب…
لا أتذكر أين كان يسكن،
لكنني أتذكر أنه كان يسكن فينا.
هو من احتفل—من قلبه—بمسرحيتي:
«كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى» عام 1970،
بعد أن هاجموني وكتبوا:
ماذا تقصد بالمسرح التجريبي؟
الآن…
أفهم.
في مكانٍ آخر،
الرئيس الأوكراني يعلن إيقاف الحرب من طرف واحد،
كأن الحرب يمكن أن تخجل… وتتوقف.
في محل الحلاق المعلم سامي—منذ يومين—
محل جديد في شارعنا،
دخل شاب قصير القامة (حوالي 160 سم)،
لكن صوته أطول من الشارع.
– أهلاً يا حبيبي.
سلم.
قال سامي:
– يا جدي هذا صاحبي وأخويا… تفاهة.
لم أضحك.
الأسماء لم تعد مجازًا.
قال تفاهة:
– أنا جيت من الغردقة إمبارح.
الغردقة يا صاحبي… أربعة شهور: نسوان عريانة، ورجالة بلبوس… كله عايش على بعضه.
كان يتكلم كأنه شاهد على عصر…
أو بائعه.
قال سامي:
– بتتكلم جد؟
قال تفاهة:
– والله. كل واحد يعمل اللي عاوزه. تشرب خمرة في أي مكان… حشيش لا.
ثم نظر إليّ،
نظرة من يعرف أكثر مما ينبغي:
– وإنت يا جدي… رحت الغردقة؟
قلت: لا.
قال: روح.
لم تكن دعوة…
كانت حكمًا.
ابتسمت: حاضر.
قال سامي:
– عملت فلوس؟
قال:
– آه. اشتريت هدوم بعشرة آلاف جنيه… ووفرّت ستة آلاف.
الأرقام كانت واضحة…
أكثر وضوحًا من المعنى.
ضحك الصبي بعد أن غادر:
– عشرة آلاف هدوم يا معلم… وستة آلاف كمان!
عاد.
مدّ يده ليصافحني.
نظرت إلى حذائه.
كان غالي الثمن…
وأكبر من قدمه بدرجتين.
فهمت.
ليس الحذاء فقط هو المسروق،
بل المقاس أيضًا.
اليمن يناشد العالم مساعدته…
ولا أحد يسمع،
ربما لأن الصوت لا يملك “ميكروفون”.
الإمارات تحمل إيران المسؤولية…
والعالم يتبادل الاتهامات
كما نتبادل نحن السلامات.
الأمور تسير بشكل جيد جدًا.
أفضل مما ينبغي.
الحياة أصبحت أكثر مرونة:
يمكنك أن تكون أي شيء…
قوّادًا
أو شريفًا
ولا فرق.
المهم—فقط—
أن تنجو من تفاهة.
لكن كيف تنجو…
إذا كان قد سبقك إلى داخلك؟
نحن—في جهد الحياة—أصبحنا غير مقبولين.
ليس لأننا أخطأنا…
بل لأننا لم نتقن الخطأ.
كان علينا ألا نتأثر بالغرب… ولا بالحرية…
لكننا تأثرنا… دون أن نفهم.
فصرنا نسخة رديئة…
من كل شيء.
لقد انتهينا.
لا كجسد…
بل كمعنى.
عقولنا لم تعد تفكر،
بل تعيد بث الضجيج.
وصار هناك شخص يُسمّى «تفاهة»…
يمشي في الشارع،
يجلس في المقهى،
يدخل محل الحلاقة،
يضحك،
يحكي،
ويصافحك…
وربما—
ينظر إليك من المرآة.
والأمر…
عادي.
تم
القاهرة
5 مايو 2026
….رأى الذكاء الاصطناعي جيمنى
محادثة مع Gemini
رأى الذكاء الاصطناعي جيمنى
نحن أمام نصٍّ مشحون بالمرارة، يمزج بين السيرة الذاتية، التأمل الفلسفي، والواقعية القاسية. السيد حافظ هنا لا يكتب مجرد ذكريات، بل يرسم “جنازة للمعنى” في زمن السيولة.
إليك قراءة تحليلية في أبعاد هذا النص:
1. صدمة التوقيت والمكان
المفارقة المذهلة في النص هي التاريخ المذيل به (5 مايو 2026). النص يضعنا في مستقبل قريب جدًا، وكأنه نبوءة اكتملت. تبدأ السردية برثاء “الإسكندرية الحقيقية” التي لم تعد مدينة بل “احتمالاً ضاع”، وهو استهلال ذكي يمهد لفكرة الفقدان الشامل؛ فقدان المكان، ثم فقدان الصوت، وصولاً إلى فقدان الهوية.
1. ثنائية (سمير ندا / تفاهة)
النص مبني على تضاد موجع بين زمنين وشخصيتين:
سمير ندا (الماضي/العمق): يمثل المثقف المعذب الذي “يثقب السماء” بصراخه الصامت عند بئر مسعود. صراخه صلاة أو جنون، لكنه “يسكن فينا”. هو زمن “المعنى” حتى لو كان هذا المعنى هو “كبرياء التفاهة” كفعل تجريبي واعي.
تفاهة (الحاضر/السطح): الشاب الذي يحمل الاسم حرفيًا. هو لا يصرخ لثقب السماء، بل يملأ الأرض ضجيجًا بقصص الغردقة والملابس الغالية. هو “واقع” لا يرتدي مقاسه (الحذاء الأكبر من قدمه)، في إشارة رمزية إلى جيل أو زمن يرتدي ثوبًا لا يناسبه، أو يعيش حياة “مسروقة” كما لمح الكاتب.
1. تقنية “المونتاج السينمائي”
استخدم السيد حافظ تقنية القطع المتوازي بين:
المستوى الكلي (السياسة الدولية): (أوكرانيا، اليمن، الإمارات، إيران، لبنان).
المستوى الجزئي (محل الحلاق): حوار تفاهة وسامي.
هذا الربط يوحي بأن العالم كله، من قادة الدول إلى “تفاهة” في محل الحلاقة، يشتركون في حالة واحدة: العبث. الحرب التي “تخجل” في أوكرانيا، والهزيمة “الأنيقة” في واشنطن، كلها مظاهر لنفس الانهيار القيمي الذي يمثله “تفاهة”.
1. الفلسفة الختامية: “المرآة”
النهاية هي الجزء الأكثر رعباً في النص. الكاتب ينتقل من نقد “الآخر” (الشاب تفاهة) إلى مواجهة “الذات”.
“وربما— ينظر إليك من المرآة.”
هنا يكسر الكاتب الحاجز بين القارئ والنص. التفاهة لم تعد شخصاً نقابله، بل أصبحت “حالة” تسللت إلى الداخل. نحن لم ننتهِ كأجساد، بل كـ “معنى”.
1. ملاحظات جمالية
اللغة: بسيطة، تقترب من العامية في الحوار لتعزيز الواقعية، لكنها ترتفع لتصبح شعرية في التأملات (مثل: “الانتظار مهنتي”، “ثقب السماء”).
الرمزية: الحذاء “المسروق والمقاس الخاطئ” هو أذكى رمز في النص للتعبير عن الزيف الاجتماعي والاقتصادي.
النقد الاجتماعي: النص يجلد الذات الجماعية (تأثرنا بالغرب دون فهم.. فصرنا نسخة رديئة).
الخلاصة:
نص السيد حافظ هو صرخة احتجاج ضد “عصر السيولة” الذي تساوى فيه القواد والشريف، وضاع فيه التمييز بين التجريب الفني وبين التفاهة الواقعية. نص موجع، صادق، ويضع الإصبع على جرح الهوية الضائعة في زحام المادة والضجيج.
هل تعتقد أن شخصية “تفاهة” هي تطور طبيعي لتجاهل “المسرح التجريبي” الذي ذكره الكاتب في السبعينات؟
….
رأى الذكاء الاصطناعي الصيني
….
هذا نص أدبي قوي ومعقد، يستحق قراءة متأنية. إليك رأيي فيه:
البناء والتقنية
النص سردي تداخلي يجمع بين الذاتي والسياسي والوجودي. يتحرك بين ثلاثة مستويات:
– الذاكرة الشخصية (الإسكندرية، سمير ندا، مسرحية 1970)
– الحاضر المادي (محل الحلاق، تفاهة القادم من الغردقة)
– الحاضر السياسي (لبنان، أوكرانيا، اليمن، الإمارات)
هذا التداخل ليس زخرفياً، بل هو جوهر النص: كل شيء يتسرب إلى كل شيء.
شخصية “تفاهة”
الاسم نفسه قرار جريء. في سياق عربي يحترم المجاز، أن تُسمّي شخصية حقيقية (أو شبه حقيقية) “تفاهة” هو كسر للعقد الاجتماعي. لكن النص يقول: “الأسماء لم تعد مجازاً” — أي أن العالم أصبح حرفياً إلى درجة السخرية. تفاهة ليس رمزاً، هو “الحقيقة” التي لا تحتاج إلى ترجمة.
تفاصيله دقيقة وقاسية: صوته أطول من قامته، حذاؤه “غالي الثمن وأكبر من قدمه بدرجتين” — هذه ليست وصفاً، بل حكماً اجتماعياً. “ليس الحذاء فقط هو المسروق، بل المقاس أيضاً” — السطور الأقوى في النص. الإنسان يسرق ليس فقط ما يرتديه، بل ما يُفترض أن يكون عليه.
الصمت كصوت
النص يبدأ بـ “يخرج الصمت” وينتهي بـ “الأمر عادي”. بينهما رحلة من العجز عن الغناء إلى العجز عن الصدمة. الصمت هنا ليس سلاماً، بل فشل في إنتاج المعنى.
السياسة كخلفية
الرئيس اللبناني في واشنطن، الرئيس الأوكراني يوقف الحرب “من طرف واحد”، اليمن يناشد “ولا أحد يسمع ربما لأن الصوت لا يملك ميكروفون” — هذه ليست إشارات صحفية، بل هي امتداد لذات العجز: العالم كله يبحث عن “طريقة أنيقة للهزيمة”.
الجملة الختامية
“والأمر… عادي” — النقاط الثلاث هنا تعمل كسكين. ليس التطبيع هو الموت، بل إدراك التطبيع.
ما يمكن التساؤل حوله
– النبرة: النص يميل أحياناً إلى التصريح المباشر (“صرنا نسخة رديئة من كل شيء”) بينما أقوى لحظاته هي التلميحية (الحذاء الأكبر).
– الشخصية التاريخية: سمير ندا يظهر كذكرى مؤثرة لكنها تبقى غامضة — ربما عمداً، لكنها تحتاج إلى مزيد من التجسيد لتحمل ثقل المقارنة مع “تفاهة”.
– العنوان: “بلا ضفاف” يصف حالة النص بدقة، لكنه قد يكون عاماً أمام تفاصيل النص القاسية.
الخلاصة
هذا نص يائس بذكاء. لا يبكي على الماضي، بل يسجّل انهيار القدرة على البكاء. “تفاهة” ليس الشرير، بل هو نحن بعد أن تخلّينا عن وهم أننا أفضل مما نحن. والأخطر: أننا نعرف ذلك، ونبتسم.
النص يستحق النشر والنقاش. هو صوت من القاهرة 2026، لكنه يتكلم عن انهيار المعنى في زمن يشبه كل الأزمنة.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى