اقتصادثقافةمقالات

حتى آخر الشهر.. !

<< لم تعد الديون خياراً اقتصادياً.. بل أصبحت في كثير من البيوت المصرية “وسيلة نجاة” أخيرة ..>>

الدكتور م. وائل الشهاوي – يكتب …

جاءت تصريحات هشام عز العرب الأخيرة بشأن التوسع الكبير لشركات التمويل الاستهلاكي، وتحذيره من المخاطر المحتملة التي قد تفرضها تلك الظاهرة على القطاع المصرفي والاستقرار المالي، لتفتح باباً واسعاً لنقاش أعمق بكثير من مجرد أرقام التمويل وحجم المحافظ الائتمانية. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمخاوف البنوك من تعثرات مستقبلية أو تضخم ديون الأفراد، بل أصبحت مرآة تعكس واقعاً اجتماعياً واقتصادياً بالغ القسوة، يعيشه ملايين المصريين الذين دفعتهم الضغوط المعيشية إلى الاحتماء بالقروض والتقسيط كوسيلة أخيرة للاستمرار.

 

ففي سنوات ليست بعيدة، كان الاقتراض الشخصي في مصر يُنظر إليه باعتباره وسيلة لتحسين مستوى المعيشة، أو أداة لشراء سلعة مؤجلة السداد، أو ربما رفاهية مؤقتة يلجأ إليها البعض لتسهيل الحياة.

 

أما اليوم، فقد تبدّل المشهد بالكامل. لم تعد الديون خياراً اقتصادياً، بل أصبحت في كثير من البيوت المصرية “وسيلة نجاة” أخيرة، يحتمي بها المواطن من السقوط الكامل تحت وطأة الغلاء، وتآكل الدخل، وانهيار القدرة الشرائية أمام موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار لا تعرف الرحمة.

 

في الشارع المصري الآن، لم يعد الحديث عن القروض والتقسيط يدور حول شراء سيارة أو هاتف حديث، بل حول القدرة على شراء الطعام، وسداد فاتورة الكهرباء، وتوفير الدواء، ودفع المصروفات الدراسية. هنا تحولت الديون من رفاهية استهلاكية إلى معركة يومية للبقاء.

 

بعيداً عن لغة التقارير الرسمية الباردة، تكشف الأرقام عن واقع اجتماعي شديد القسوة. فهناك مئات المليارات من الجنيهات تدور داخل سوق التمويل الاستهلاكي والديون الشخصية الصغيرة، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي تعيشها الأسر المصرية. وتشير التقديرات إلى أن حجم المديونيات الشخصية والاستهلاكية اقترب من نصف تريليون جنيه، بينما يخدم قطاع التمويل متناهي الصغر وحده أكثر من أربعة ملايين مواطن بأرصدة تتجاوز 55 مليار جنيه.

 

لكن الرقم الأكثر وجعاً ليس حجم الأموال، بل طبيعة من يحملون هذا العبء. فآلاف السيدات المصريات أصبحن خط الدفاع الأخير عن أسرهن، بعدما وجدن أنفسهن مضطرات للتوقيع على قروض صغيرة أو أوراق تقسيط فقط لتوفير احتياجات الحياة الأساسية. لم تعد المرأة تقترض لتوسيع مشروع أو تحسين مستوى معيشتها، بل لتأمين الطعام، أو دفع إيجار المنزل، أو شراء مستلزمات الأبناء. وهكذا تحولت القروض في كثير من الأحيان إلى عبء نفسي واجتماعي يهدد الاستقرار الأسري، ويجعل الخوف من التعثر أو الملاحقة القانونية كابوساً دائماً يطارد الملايين.

 

الأخطر في المشهد أن نمط الإنفاق نفسه تغيّر بصورة صادمة. فالتقسيط لم يعد موجهاً للأجهزة الكهربائية أو السلع المعمرة فقط، بل امتد إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية. اليوم هناك أسر تقسط مشتريات البقالة والمواد الغذائية على ثلاثة وستة أشهر، وكأن المواطن أصبح يشتري “حقه في الحياة” بالدَّين. لم يعد الاقتراض لشراء المستقبل، بل لتمويل الحاضر نفسه.

 

أما في القطاع الطبي، فالمشهد أكثر قسوة وإنسانية في آن واحد. مع الارتفاع الهائل في أسعار الأدوية والخدمات العلاجية، ظهرت أنماط لم يكن أحد يتخيل أن يراها في المجتمع المصري؛ تقسيط تكاليف العلاج، والعمليات الجراحية، والولادة، وحتى الروشتة الشهرية. أصبح المريض مضطراً للاقتراض حتى يستطيع أن يتلقى العلاج أو يحصل على دواء يحفظ له الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وهنا لم تعد الأزمة اقتصادية فقط، بل تحولت إلى ضغط نفسي وإنساني يمس كرامة الإنسان وحقه الطبيعي في العلاج.

 

ولم يتوقف الأمر عند الطعام والدواء، بل امتد إلى الخدمات الأساسية التي لا غنى عنها. مع انتشار العدادات مسبقة الدفع، بات كثير من المواطنين يلجأون إلى الاستدانة أو استخدام بطاقات الائتمان فقط لشحن كارت الكهرباء أو المياه، حتى لا يجدوا أنفسهم فجأة في الظلام. كما أصبحت المصروفات الدراسية تمثل أزمة موسمية خانقة للأسر المصرية، بعدما تحولت تكلفة التعليم إلى عبء يفوق قدرة الطبقة المتوسطة وما دونها. وهكذا صار الأب أو الأم يقترض فقط حتى لا يشعر الأبناء بالعجز أو الحرمان مقارنة بغيرهم.

 

وعندما نضع هذه التفاصيل بجوار بعضها البعض، ندرك أننا لا نتحدث عن حالات فردية أو أزمة مؤقتة، بل عن ظاهرة اجتماعية واسعة تمس عشرات الملايين من المصريين بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ملايين الأسر أصبحت تعيش داخل دائرة مغلقة من الديون والأقساط، حيث يذهب جزء معتبر من الدخل الشهري لسداد التزامات سابقة، بينما يتم اللجوء إلى التزامات جديدة لتغطية احتياجات الشهر التالي، في دورة استنزاف لا تنتهي.

 

ورغم قسوة الصورة، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن طبيعة المواطن المصري الذي يحاول بكل الطرق الحفاظ على بيته وأسرته وكرامته. فالمجتمع لم يستسلم بالكامل، بل ابتكر حلولاً مرنة للبقاء، حتى وإن كانت هذه الحلول مؤلمة ومكلفة على المدى الطويل. لكن المشكلة الحقيقية أن الاعتماد المفرط على التمويل الاستهلاكي في تلبية الاحتياجات الأساسية يخلق اقتصاداً هشاً، ومجتمعاً يعيش على استهلاك دخل لم يأتِ بعد.

 

إن أخطر ما في هذه الأزمة ليس فقط تضخم الديون، بل تحول المستقبل نفسه إلى رصيد مستهلك مقدماً. فجزء كبير من دخول المواطنين خلال السنوات المقبلة أصبح مرهوناً لشركات التمويل والبنوك وأقساط لا تنتهي. وهذا يعني أن الضغوط الاقتصادية لم تعد تخص الحاضر فقط، بل تمتد لتلتهم قدرة الناس على بناء مستقبل أكثر استقراراً.

 

في النهاية، تبقى الحقيقة المؤلمة أن المواطن المصري لا يطلب رفاهية استثنائية، بل يسعى فقط إلى “الستر” والعيش الكريم. لكن عندما يصبح الطعام والدواء والكهرباء والتعليم أعباء تُسدد بالتقسيط، فإننا نكون أمام جرس إنذار حقيقي يستدعي إعادة النظر في أولويات الاقتصاد، وحجم الضغوط التي يتحملها المواطن البسيط وحده، بينما يدفع من عمره وراحته النفسية ثمن معركة يومية عنوانها: كيف يعيش حتى آخر الشهر!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى