منوعات

سردية بلا ضفاف عندما دقّت الساعة العاشرة بقلم السيد حافظ

سردية بلا ضفاف
عندما دقّت الساعة العاشرة
بقلم السيد حافظ

عندما دقّت الساعة العاشرة ذات صباحٍ من عام 1976، كنتُ في الإسكندرية، داخل مدرسة «دار الحكمة» الإعدادية بنين في محرم بك.
كان ذلك عام تخرّجي في كلية التربية، وكنت أعمل مدرسًا لمادّتَي الدراسات الاجتماعية واللغة العربية.
في تلك السنوات، كانت المدارس الخاصة تستغل طلاب كلية التربية للعمل مدرسين برواتب هزيلة؛ عشرة جنيهات في الشهر فقط.
ومع ذلك كنّا نقبل، لأن الجيب كان خاليًا، ولأن الحياة ــ في بداياتها القاسية ــ كانت تحتاج إلى ما يسندها، ولو بالقليل.
كان الزمن آنذاك ملبّدًا بالشعارات الثقيلة.
وكانت البلاد قد خرجت لتوّها من العاصفة التي أطلقوا عليها: «ثورة 15 مايو»، أو «ثورة التصحيح».
أما نحن، أبناء ذلك الجيل، فكنا نسمع الحكاية الرسمية كل صباح، كما تُتلى التعاويذ على العابرين.
قالوا إنها ثورة.
وقالوا إنها أنقذت الوطن.
وقالوا الكثير.
لكن الحقيقة، كما بدت لي لاحقًا، لم تكن سوى صراع مرير على السلطة بين السادات وعلي صبري وشعراوي جمعة وآخرين، انتهى بالاعتقالات والإقصاء، بعدما قدّموا استقالاتهم، فقام السادات باعتقالهم جميعًا بواسطة الليثي ناصف؛ الضابط الشجاع الذي انتهت حياته لاحقًا في لندن نهاية غامضة، من العمارة نفسها التي قيل إن سعاد حسني أُلقيت منها.
المهم… أن السلطة أطلقت على كل ذلك اسم: «ثورة التصحيح».
كنت واقفًا في الفصل أشرح الدرس لتلاميذ المرحلة الإعدادية.
درس التربية الوطنية عن «ثورة 15 مايو 1971».
وكان في الفصل فتى أسمر، في السادسة عشرة تقريبًا، طويل القامة، مفتول العضلات، هادئ الملامح، يجلس دائمًا في آخر الصفوف، كما يفعل التلاميذ الطوال الذين تُلقي بهم أجسادهم إلى الخلف، بينما تبقى أرواحهم في المقدمة.
كان صامتًا أغلب الوقت.
وفجأة وقف.
وقال:
— أستاذ؟
قلت:
— نعم؟
قال بهدوء أربكني:
— ما معنى كلمة ثورة؟
أجبته بحماسة المدرس الشاب الذي ما زال يؤمن بالكلمات:
— الثورة هي تغيير جذري للمجتمع؛ تغيّر القوانين، والاقتصاد، والزراعة، والصناعة، والعلاقات الاجتماعية… الثورة تعني تغييرًا شاملًا للحياة.
سكت قليلًا، ثم رفع رأسه نحوي وسأل:
— وهل تعتقد أن «ثورة 15 مايو» كانت ثورة فعلًا؟
نزل السؤال عليّ كالصاعقة.
ثم أكمل:
— كل شيء ما زال كما هو… فما الذي تغيّر؟
ارتبكت.
شعرتُ فجأة أن السبورة تضيق، وأن الكلمات الرسمية تتحول إلى غبار أبيض يتساقط من الطباشير.
استدرت نحو السبورة، وكتبت مرة أخرى:
«ثورة 15 مايو — ثورة التصحيح».
فسألني بصوت أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة:
— تصحيح ماذا يا أستاذ؟
وهل تقوم ثورة لتصحح ثورة أخرى؟
التفتُّ إليه مرتبكًا، وقلت:
— اكتب ما هو موجود في الكتاب.
فقال:
— المكتوب عنها خمس عشرة صفحة يا أستاذ.
قلت بعصبية:
— تدرسها… وتكتب مثلما هو مكتوب.
ثم نظر إليّ طويلًا، وقال السؤال الذي مزّقني من الداخل:
— وما رأيك أنت؟
صمتُّ.
شعرت للحظة أنني متهم أمام طفل يرى الحقيقة بعينيه، بينما أحاول أنا أن أغطيها بالكلمات.
ثم تمتمت:
— رأيي أنا؟
ورميت قطعة الطباشير على السبورة، كأنني أرمي بها عمري كله، وتركت الفصل وخرجت.
ذهبت مباشرة إلى مكتب الأستاذ الشاذلي، ناظر المدرسة، وكان من أشهر مدرّسي الرياضة، ومن أحب الناس إلى ماجد صقر صاحب المدرسة.
قلت له، دون مقدمات:
— أنا مستقيل.
ثم خرجت مسرعًا من المدرسة إلى شارع محرم بك، ومنها إلى شارع منشا، ثم إلى كلية التربية، حيث كنت أدرس.
لكنني لم أحتمل الجلوس في المدرج، ولا احتمال وجوه الزملاء، ولا احتمال صوتي أنا.
رأيت زميلتي وصديقتي في ذلك الزمن، «ماجدة» الجميلة، فجذبتها من يدها وخرجنا إلى كازينو الشاطبي على البحر.
قالت وهي تلهث من دهشتي المفاجئة:
— ما بك؟
قلت:
— هناك سؤال يقتلني…
هل نُدرّس للأولاد كلامًا خاطئًا؟
هل أشرح لهم صراعًا على السلطة بين السادات وعلي صبري وشعراوي جمعة على أنه ثورة؟
هل أقوم بدور النبي الكاذب؟
المخادع؟
المرتزق؟
هل أخون نفسي وأخون أفكاري؟
ثم أخذت أبكي.
كنّا قد خرجنا من الجامعة إلى كازينو الشاطبي، بجوار كلية الآداب، حيث كنّا ندرس وقتها، لأن كلية التربية لم يكن لها مبنى مستقل، فكنا ضيوفًا على كلية الآداب بجامعة الإسكندرية.
جلسنا أمام البحر.
وكان البحر وحده، في تلك اللحظة، يبدو صادقًا.
أجهشتُ بالبكاء على صدرها.
كانت جميلة، طيبة، وخائفة عليّ، كأنها ترى شابًا يسقط لأول مرة من يقينه.
قالت:
— لماذا تبكي؟
قلت:
— الحق مات…
والصدق مات…
والأمل مات.
قالت:
— ماذا حدث؟
قلت:
— لا أعرف…
أقسم أنني لا أعرف.
كنت قد استقلت من المدرسة، رغم احتياجي الشديد إلى راتب العشرة جنيهات؛ ذلك المبلغ الصغير الذي كنت أساهم به في مصاريف البيت مع أمي، وأقاوم به قسوة الأيام.
في تلك الليلة كتبت قصة بعنوان:
«عندما دقّت الساعة العاشرة».
وأرسلتها إلى مجلة «الطليعة الأدبية» في العراق… العراق حين كان عظيمًا، وكبيرًا، وممتلئًا بالحلم العربي.
وبعد شهر، نُشرت القصة في صدر العدد.
وبعد سنوات، في الكويت عام 1983، التقيت الشاعر والكاتب العراقي النبيل فلاح هاشم، فقال لي:
— أنت مؤلف «عندما دقّت الساعة العاشرة»؟
قلت:
— نعم.
فابتسم وقال:
— أنا الذي حولتها إلى سباعية إذاعية، وأخرجتها في إذاعة «صوت الجماهير» في العراق عام 1976.
وكان فلاح هاشم نفسه هو الذي كتب أشعار مسرحية «سندريلا»، إخراج منصور المنصور في الكويت، إنتاج عواطف البدر، رائدة مسرح الطفل، كما كتب أشعار مسرحية «سندس»، إخراج محمود الألفي، ومن إنتاج أمل عبد الله، أيقونة الإذاعة والتلفزيون في الخليج.
ثم هاجر فلاح إلى أوروبا… ومات هناك.
ورحل فلاح هاشم.
ورحل السادات.
ورحلت الأكاذيب القديمة.
واختفت من المناهج الدراسية عبارة:
«ثورة 15 مايو — ثورة التصحيح».
لكن أكاذيب أخرى جاءت.
أكذوبة التفاح.
وأكذوبة الانفتاح.
وثورة النباح.
وثورة المسباح.
إنه زمنٌ كذّاب…
أشر…
ولا يخجل.
السيد حافظ
الهرم
….
رأى الذكاء الاصطناعي الصيني k2
هذا نص جميل وعميق، يستحق التأمل. إليك قراءتي له:
نقاط القوة
الصدق العاطفي المُحْرِج
النص لا يتستّر على لحظة الانهيار. الكاتب يُظهر نفسه مرتبكًا، باكيًا، هاربًا من الفصل — هذه الشفافية النادرة تجعل القارئ يثق به رغم أنه يتحدث عن فشله. ليس هناك بطل ينتصر، بل إنسان يكتشف أنه “مرتزق” بلا علم.
الحوار المركزي المُدمِّر
سؤال التلميذ “ما معنى كلمة ثورة؟” يعمل كمفتاح يفتح كل الأقفال. ليس السؤال ذكيًا فحسب، بل قاسٍ في هدوئه. والأهم أن الكاتب لا يجعل نفسه أذكى من التلميذ — بل يجعله أضعف، أقل وعيًا، أكثر خيانة للحقيقة.
الرمزية البسيطة والفعّالة
– الساعة العاشرة: لحظة الحسم، لكنها صباحية (ليست موعدًا متوقعًا للثورات).
– قطعة الطباشير: “كأنني أرمي بها عمري كله” — التخلص من أداة التدريس كتخلص من الذات المُزيَّفة.
– البحر: “الوحيد الصادق” — الطبيعة شاهدة على عجز الإنسان عن الصدق.
الإيقاع السردي المُحكم
الانتقال السريع من الفصل إلى مكتب الناظر إلى الشارع إلى الكازينو إلى البحر — هذا هرولات العقل المذعور، لا ترتيبًا منطقيًا. ثم التوقف المفاجئ عند البكاء.
ما يُثير التساؤل
نبرة الختام
السرد التذكاري الحنيني (العراق “حين كان عظيمًا”، فلاح هاشم، ماجدة) يتحول فجأة إلى ختام سياسي حاد: “أكذوبة التفاح… ثورة النباح”. هذا الانتقال يُضعف النص قليلًا، لأنه يُعطي إجابة جاهزة بدلًا من ترك السؤال الأول يتردد.
ماجدة
تظهر كملاذ عاطفي جميل، لكنها تبقى ظلًا — لا صوت لها إلا السؤال والتعزية. ربما كان ذلك مقصودًا لأن النص عن عزلة الكاتب آنذاك، لكنها تظل فرصة ضائعة لإغناء النص.
الحكم
هذا نص نادر في الأدب العربي الحديث: قصة قصيرة جدًا عن لحظة فقدان اليقين — لا فقدان إيمان بالسياسة فحسب، بل فقدان إيمان بالكلمات نفسها. السؤال الذي طرحه التلميذ لم يُجب عنه الكاتب بعد خمسين عامًا؛ النص يبقى مفتوحًا على ذلك الصمت.
الكاتب لا يتباهى بثوريته السابقة ولا يندب حاله الحاضر. يكتفي بالاعتراف: كنتُ أقف في مكان لا أستحقه، وأعلّم ما لا أصدقه، وانهار عندما رآني طفل بعينيه.
هذا أقسى أنواع الصدق.

رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
….
النص هنا ارتفع بالفعل من مجرد “مذكرات سياسية” إلى ما يشبه السيرة الوجدانية لجيل كامل.
وأعتقد أن قوته الحقيقية لم تعد في موقفك من السادات أو «ثورة التصحيح»، بل في شيء أعمق بكثير:
لحظة سقوط اللغة الرسمية أمام سؤال طفل.
هذه هي النواة الذهبية للنص.
الفتى الأسمر ليس مجرد تلميذ؛ لقد تحول داخل السرد إلى ضمير خفيّ، أو محكمة أخلاقية صغيرة، بينما المدرس الشاب ــ أنت ــ يتحول من مُلقّن إلى متهم.
ولهذا يبدو المشهد كله مسرحيًا بامتياز، وكأننا أمام فصل من مونودراما داخل فصل دراسي.
وأرى أن أجمل ما فعلته في النسخة الأخيرة أنك هدّأت الغضب قليلًا، فصار الألم أعمق.
الجمل الآن تتنفس، والصور أصبحت أكثر نقاءً، مثل:
«شعرتُ فجأة أن السبورة تضيق، وأن الكلمات الرسمية تتحول إلى غبار أبيض يتساقط من الطباشير.»
هذه جملة أدبية حقيقية، لأنها لا تشرح الفكرة، بل تجسّدها بصريًا ونفسيًا.
كذلك انتقالك من:
الفصل،
إلى الاستقالة،
إلى شارع منشا،
إلى البحر،
إلى الكتابة،
جعل النص يتحرك كرحلة سقوط روحي، لا كمقال سياسي.
وأظن أن البحر في النص يؤدي وظيفة رمزية شديدة الذكاء، حتى لو لم تقصد ذلك بالكامل.
فالمدينة كلها كانت تكذب:
المدرسة،
المنهج،
الشعارات،
السلطة،
بينما البحر وحده بدا صادقًا، مفتوحًا، بلا خطاب رسمي.
كذلك النهاية تحسنت كثيرًا بسبب الإيقاع:
«ورحل فلاح هاشم.
ورحل السادات.
ورحلت الأكاذيب القديمة.»
هنا يوجد إيقاع جنائزي جميل، كأنك تدق أجراسًا متتالية.
لكن عندي ملاحظة فنية واحدة فقط:
النص قوي جدًا في نصفه الأول، لأن فيه حدثًا دراميًا مباشرًا وحوارًا حيًا.
أما النصف الأخير، بعد الكويت وفلاح هاشم، فيقترب أكثر من “التوثيق” منه إلى “الدراما”.
ليس ضعيفًا، لكنه أقل اشتعالًا من مشهد التلميذ.
لو أردت رفعه درجة أخرى مستقبلًا، يمكن جعل عودة فلاح هاشم مرتبطة نفسيًا بالسؤال القديم:
«وما رأيك أنت؟»
أي كأن القصة ظلت تطاردك حتى العراق والكويت والمنفى والموت.
وهناك نقطة مهمة جدًا: النص لا يبدو نص شيخ يتذكر الماضي بحنين، بل نص رجل ما زال جرحه مفتوحًا حتى الآن.
وهذا سر حيويته.
وأعتقد أن عنوان:
«عندما دقّت الساعة العاشرة»
عنوان موفق جدًا، لأنه يبدو عاديًا في الظاهر، لكنه يحمل معنى لحظة الانهيار الداخلي؛
كأن الساعة هنا ليست وقتًا، بل لحظة وعي جارحة لا تنتهي.
….
..
راى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
رأيي في النص: صادق، مؤثر، وفيه نبض حقيقي.
النص قوي جدًا في جزئه الإنساني والشخصي. لحظة السؤال البسيط من التلميذ («ما معنى كلمة ثورة؟» ثم «وهل تعتقد أنها كانت ثورة فعلاً؟») هي ذروة النص، وهي لحظة مؤلمة وصادقة. هذا السؤال البريء الذي يفضح الكذبة الكبرى يُشبه الصفعة للمعلم الشاب الذي كان لا يزال يحاول التمسك ببقايا يقين. الارتباك، الخروج من الفصل، الاستقالة رغم الفقر، البكاء أمام صديقته على البحر… كل هذا مكتوب بصدق عاطفي نادر.
ما أعجبني:
اللغة: سلسة، شعرية في أماكنها دون تكلف. الوصف للتلميذ الأسمر الطويل في آخر الصف، والبحر “الصادق الوحيد” في تلك اللحظة، جميلان.
الجرأة: الكاتب لا يُجمّل نفسه كثيرًا. يعترف بالضعف والحيرة والحاجة للراتب الـ10 جنيهات. هذا يجعل التجربة مقنعة.
الصدى التاريخي: يلخص ببلاغة كيف تُحوّل السلطة صراعًا على الكرسي إلى «ثورة تصحيح» مقدسة، وكيف يُجبَر المعلمون على تدريس الأكذوبة. هذا ليس خاصًا بـ1976، بل ظاهرة متكررة في كثير من الأنظمة.
الإشارة إلى «أكاذيب أخرى جاءت» (التفاح، الانفتاح، ثورة النباح…) تعطي النص بعداً أوسع، وتجعله أكثر مرارة.
ملاحظات:
النص يبدأ كسردية شخصية حميمة ثم يتحول في النهاية إلى تأمل عام ومرور سريع على شخصيات (فلاح هاشم، السادات، إلخ). هذا التحول جيد، لكنه يجعل النهاية أقل تركيزًا قليلاً من القلب الدرامي للقصة (المواجهة في الفصل). لو رُكّز أكثر على اللحظة النفسية للمعلم بعد الاستقالة، أو على تأثير السؤال عليه طويل الأمد، لكان أقوى.
كذلك، هناك ميل للنوستالجيا (العراق “العظيم”، الجامعة، البحر…) وهو مفهوم في نص تأملي، لكنه يخفف قليلاً من حدة النقد السياسي الذي بدأ به.
الخلاصة:
هذا ليس مجرد نص أدبي، بل شهادة. شهادة على جيل وجد نفسه يُدرّس تاريخًا مزيفًا، ثم اكتشف أن “الحق مات” (كما قال). في زمن ما زال فيه التعليم يُستخدم لتلميع السلطة، يظل هذا النص ذا صلة مؤلمة.
السيد حافظ كتب هنا شيئًا صادقًا من القلب، وهذا أهم ما في الأدب. النص يستحق أن يُقرأ، خاصة من الذين يعلمون أو يدرسون، أو ممن يعتقدون أن “الرواية الرسمية” دائمًا نظيفة.
هل هذا جزء من كتاب أكبر، أم قصة منفصلة؟ وهل لك علاقة بالكاتب؟

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى