
يمر غدا 5 يونيو 2026 تسعة وخمسون عاما .. علي اكثر الايام وجيعة و شؤما .. في تاريخ مصر والعرب الحديث .. يعرفه وذاق مرارته .. ابناء جيلي .. ومن سبقه من اجيال … لم تكن مجرد هزيمة عسكرية .. ولكنه شعور إنهيار الحلم .. الذي داعب كل مصري .. ورآه يتحقق .. اوكاد .. علي واقع أكثر زهولا و ايلاما .. زلزل كيان كل مصري وعربي .. تمتد اثاره وتداعياته حتي اليوم … ولزمن بعيد .. لا يعلم مداه إلا الله ….
لا اكتب عنها اليوم بعد مرور اكثر من نصف قرن .. إجترارا للألم ولا نكأ للجراح … لكن لأن فيما هو شاهد للعيان .. أن مصر اليوم يتم إستدراجها لمواجهة او مواجهات عسكرية .. تستنفذ قواها وتُحبط مسارها .. وتزيد من معاناة شعبها … ليس هذا فقط بل وتحيطها المخاطر من جهاتها الاربع … في ظرف موضوعي وتاريخي ليس هو الأفضل احوالا .. سواء علي مستوياته المحلية أو الإقليمية أو الدولية .. وكـأن التاريخ يعيد نفسه .. بسيناريوهات اكثر إحكاما واشد قبضة .. ر بما يكون الإنخراط في دخولها لا خروج معلوم له … ولن يكون للفكاك من مغباته سبيل …
الرجوع للوثائق المصرية والأجنبية .. البريطانية والامريكية والإسرائيلية …التي أُفرج عنها .. والمقالات الصحفية المحلية والاجنبية .. عن وقائع هذه الفترة .. وملابساتها .. ومجريات احداثها .. السريعة المتلاحقة المتصاعدة .. تدعو لكثير من التأمل .. والتفكر .. قبل إجترار احزان ومرارة الثكالي و جلد للذات .. أو تشفي المأفونين ومحترفي الدعارة السياسية .. والصيد في الماء العكر .. ودعاة الكلام ..علي تعددهم وكثرتهم ..وإنتشارهم الجغرافي ..
شنت إسرائيل قبل حوالي ثلاثة اشهر من هذا التاريخ .. حملة دعائية واسعة النطاق .. تهديدا بغزو سوريا .. قامت خلالها بحشد عسكري كثيف .. علي حدودها المشتركة مع سوريا .. قُدرت باحد عشر لواء مدعما بعناصر قتالية ..
وكان معروفا .. أن إسرائيل تعتمد في إستراتجيتها العسكرية .. علي نقل معاركها خارج حدودها .. لإفتقارها للعمق التعبوي .. و تجنب التأثير المادي و النفسي .. ومعروف ايضا .. انها تعتمد علي الحروب الخاطفة المفاجئة .. سريعة الإيقاع .. تربك عدوها بقصف جوي عنيف .. يشل مراكز القيادة والسيطرة .. و مطاراته الحربية .. ينكشف به الغطاء الجوي .. لأي قوات مقاتلة علي الارض .. فيسهل اصطيادها وتدميرها .. في اقصر وقت وبحد ادني من الخسائر ..
ولن نغفل ايضا .. دعم الاسطول السادس الامريكي في المتوسط .. وسفن المعلومات والتشويش الراداري .. وسبقها طبقا للوثائق .. دعما عسكريا امريكيا .. شمل تحديثا للقوي العسكرية الإسرائيلية .. ولا سيما سلاح طيرانه .. بأحدث منتجات ترسانة السلاح الامريكية .. نوعية وتدريبا ..
كان رد الفعل المصري .. وفقا لإتفاقية الدفاع العربي المشترك .. وبما أن مصر كانت تجمعها بسوريا .. اتفاقية دفاع مشترك .. كانت قد وُقعت في نوفمبر من العام السابق،.. أي ١٩٦٦..، فقد رأت مصر أن عليها أن تتحرك.. للدفاع عن حليفتها سورية….
أن طلبت مصر في 16 مايو 1967 .. خروج قوات الطوارئ الدولية .. من قطاع غزة وسيناء .. وفي 22 من نفس الشهر .. أغلقت مضيق تيران .. وقامت بحشد حوالي ثمانين الف جندي .. وإنتشارهم في سيناء .. من خمس فرق مشاة .. وفرقتين مدرعتين .. إضافة لاربعة اسراب جوية … فاقدين للدعم اللوجيستي والتدريب .. وبدون تخطيط عملياتي عسكري محكم .. او إنتشار مدروس .. او تنسيق كافي مع سوريا والأردن .. وبدت وكأنها مظاهرة لأستعراض القوة .. رغم ان ” الفريق عبد المنعم رياض ” .. قاد العمليات علي الجبهة الاردنية … الذى وصل عمان أول يونيو1967 .. وهو بطبيعة الحال ليس لديه خبره بأوضاع البلاد وأحوال الجيش الأردنى ..
عقد الرئيس” جمال عبد الناصر” .. مؤتمرا صحفيا دوليا شهيرا .. في الثامن والعشرين من مايو 1967 .. .. غلبه الحماس .. وبعض العبارات غير الملائمة سياسيا في هذا المقام .. وكان طبقا للوثائق .. ان الرئيس “عبد الناصر” .. في إجتماعه الاخير .. بأركان حربه .. في الثاني من يونيو 1967 .. اطلعهم علي تقارير المخابرات .. بتوقعات بدء إسرائيل بالهجوم تحديدا .. و طلب الروس والامريكان من مصر بضبط النفس .. وعدم البدء بالهجوم ..
يقول الفريق أول “محمد أحمد صادق” .. مدير المخابرات الحربية عام 1967م.. في شهادته .. و اظنها كانت أكثر الشهادات صدقا .. ومصارحة …
“جريمة كبرى ولا يمكن أن أصفها بأقل من ذلك تلك التي ارتكبوها في حق الشعب المصري وهم ينفذون مشروع التعبئة العامة لمعركة 5 يونيو 1967، عندما قاموا بكل الهزل والاستخفاف بإرسال تشكيلات قوات الاحتياط بملابسهم المدنية إلى مسرح القتال ودون أسلحة أو أغذية أو أدوية، بل بدون توفير مياه الشرب لهذه القوات، أرسلوا مئات الدبابات دون وقود، ودون إبر ضرب النار إلى سيناء وأطقم دبابات “ث34” يرسلونها إلى دبابات “ت54″ ودبابات جديدة خرجت من المخابرات بشحومها وبدون بطاريات أو ذخيرة، وبينها دبابات شيرمان الغربية التي حصلت عليها مصر سراً قبل الحرب بفترة قصيرة،”
بقى أن نشير إلى أنه نتيجة لعدم جهوزية القوات المسلحة للقتال،.. ولعدم التدرب على التعبئة العامة، .. فالطريقة التي جرى بها حشد القوات لسيناء.. كانت مأساوية… صحيح أن الكثير من أدبيات تلك الكارثة .. يركز على مشاهد الانسحاب المروعة يومي ٦ و٧ يونيو،.. إلا أن مشاهد حشد ثمانين ألف جندي للجبهة .. دون خطة ولا استعداد .. كانت هي الأخرى فظيعة،.. وكانت نذيز شؤم لما سيحل بهذه الآلاف المؤلفة من شباب مصر…
في الساعة ” 8 والدقيقة 45 ” بتوقيت القاهرة .. كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف المطارات المصرية قصفا شديدا .. وفي نحو ثلاث ساعات.. قضي الطيران الصهيوني .. في اكثر من اربعة طلعات جوية كثيفة …اشترك فيها اكثر من 320 طائرة مقاتلة / مقاتلة قاذفة ..علي ثلثي القوات الجوية المصرية و هي جاثمة علي الأرض .., و بهذا شل الطيران المصري ..وأصبح خارج نطاق المعركة… و بذلك تقرر مصير الحرب بين إسرائيل والبلاد العربية .. !!
وفي الايام القليلة التالية .. قامت إسرائيل بإحتلال كامل شبه جزيرة سيناء .. حتي الضفة الشرقية لممر قناة السويس البحري .. وإستتشهاد اكثر من 11 الف ضابط وجندي مصري .. وفقد معظم مدرعات ومعدات القوات المشاركة .. وكامل الضفة الغربية والقدس .. وهضبة الجولان السورية .. ومزارع شبعة اللبنانية .. دون ادني مقاومة تُذكر … اشترك فيها حوالي 264000 .. الف جندي صهيوني .. وحوالي 800 دبابة .. وحوالي 530 طائرة حربية انواع … علي الجبهات الثلاثة … في تفوق عددي ونوعي .. علي جميع القوات العربية المشاركة ….؟؟!
في الوقت التي كانت الصحف ..لا تزال تتحدث عن المعارك الضارية ..التي تدور بشراسة على الجبهة،.. والإذاعة تعلن أرقام الطائرات المعادية التي يتوالى سقوطها، …كان “عبدالناصر ” يقرأ كشفًا وصله بخسائر الجيش المصري،… وعندها على حد تعبير هيكل .. “أحس بهول الكارثة .. وأدرك أنه لن تكون هناك ضربة ثانية أو ثالثة”.. اتصل بوزير الخارجية ” محمود رياض “، … ليطلب من السفير “عوض القوني ” ..سفير مصر في الأمم المتحدة نيويورك، …إبلاغ موافقة مصر على وقف إطلاق النار …
توجه عبد الناصر ..الزعيم الهمام المحبوب.. ، في نظر شعبه،.. ليلقي كلماته الأخيرة .. :
“وأقول لكم إننى على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، ولقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه: لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر..”،
تلك الكلمات التي قوبلت بصمت رهيب،.. مصحوب بمشاعر حزن دفينة،.. تحولت فيما بعد إلى صراخ وهتافات هادر تقول:
“ناصر.. ناصر.. كلنا عايزين ناصر”.
كان هتاف المصريين فى الشوارع “هنحارب” … وهى لفظة دالة على رفض الهزيمة والإصرار علي هزيمتها … والاستعداد للحرب والنصر … لقد اعتبر المصريون ما حدث بوطنهم “نكسة” .. ولم يروها “هزيمة” .. لذا طالبوا بالحرب من جديد …
في مشهد أشد غرابة وتأمل … لم يحدث علي مر التاريخ .. فيما اعلم .. في 9 و10 يونيو 1967 … يتمسك فيه شعب ….. ببقاء زعيمه المهزوم … تخرج فيه الملايين …ترفض تنحي زعيمها … وتتحدي الهزيمة .. في مليونيات جمعت المصريين جميعا … من شمالها إلي جنوبها … ومن شرقها إلي غربها … وتطالبه بالبقاء … وتحمل المسئولية التاريخية .. فلم يسبق لأمة مهزومة ومجروحة فى كبريائها الوطنى .. أن راهنت على قائدها المهزوم … باعتباره أملها فى رد اعتبارها وتحرير أراضيها التى احتلت.. .
المفاجأة أخذت “عبدالناصر ” نفسه … الذى كان يتصور أن تُنصب له المشانق فى ميدان التحرير.. لا أن تخرج الملايين تعرض المقاومة وتطالبه بالبقاء.
لم يستمر الذهول طويلا .. بعد صدمة يونيو 1967 م .. جرت مراجعات واسعة لأسباب الهزيمة .. وأوجه الخلل فى بنية النظام السياسى قادها “عبدالناصر” بنفسه….
فى محاضر رسمية لإجتماعات مجلس الوزراء في اعقاب الهزيمة …. حاكم ” عبد الناصر” نفسه قبل نظامه .. بأقسى ما يمكن تصوره من عبارات … لم يكن مستعدا أن يسامح نفسه على أنه لم يحسم الأوضاع المختلة فى القوات المسلحة قبل أن تقع الواقعة … أو أن يتسامح مع أسباب الهزيمة… قال في احد هذا المحاضر :
” فى رأى أن النظام الحالى استنفد مداه ولا بد من نظام جديد”.
” لا أريد معارضة ممسوخة “
كان بيان 30 مارس 1968 م .. التصحيح السياسي الموضوعي لنظام الحكم .. الهمه الخروج الاسطوري للشعب المصري في 9 ، 10 يونيو 1967 م … عمل في مسار متوازي مع إعادة هيكلة وتسليح الجيش المصري …
اقتطع من مقدمته :
” الآن يصبح فى إمكاننا أن نتطلع إلى المستقبل، وقبل الآن فإن مثل ذلك لم يكن ممكناً إلا بالاستغراق فى الأحلام أو الأوهام، وكلاهما لا تستسلم له الشعوب المناضلة، فضلاً عن أن تقع فيه بينما هى عند مفترق الطرق الحاسمة وأمام تحديات المصير.
قبل الآن لم يكن فى مقدورنا أن ننظر إلى أبعد من مواقع أقدامنا؛ فلقد كنا بعد النكسة مباشرةً على حافة جرف معرض للانهيار فى أى وقت. وكان واجبنا فى ذلك الظرف يحتم علينا – قبل أى شىء آخر- أن نتحسس طريقنا إلى أرض أصلب تتحمل وقفتنا، وأرض أرحب تتسع لحركتنا.”
إنتهي الإقتياس
تبدأ بعدها ملحمة اخري .. يتم فيها إعادة بناء القوات المسلحة .. التي دُمرت تقريبا عن اخرها .. وبداية حرب الإستنزاف الرائعة .. التي اثبتت أن هذا الشعب وجيشه .. قد يمرض .. ولكنه لا يموت ابدا …
مع ان القدر لم يمهل الزعيم .. ووافته المنية في 28 سبتمبر 1970 … بعد إعادة بناء القوات المسلحة .. وبطولات حرب الإستنزاف .. ودعه شعبه في مشهد مهيب .. لا يقل في روعته ودلالته .. عن مشهد رفض الشعب .. لتنحيه …في 9 ، 10 يونيو 1967 …
إنتهت حرب 5 يونيو .. بنهاية مأساوية .. كشفت عن كثير من أوجه القصور في القوات المسلحة المصرية بشكل عام .. وفي القوات التي تتولى مهام الدفاع الجوي .. بشكل خاص ولذا وضعت القيادة السياسية جملة من الأهداف.. لتجاوز النكسة تتمثل في :
– إعادة بناء القوات المسلحة ،
– إعادة الثقة للجنود في أنفسهم وفي قادتهم ،
– إعادة الضبط والربط ،
– إعادة تدريب القوات .
– ، تنظيم الوحدات ،
وهنا يجب أن نشير بكل فخر .. بصمود الشعب خلف قواته المسلحة .. وتحمله الاعباء الإقتصادية الثقيلة .. التي نجمت عن الهزيمة .. ونقص كثير من موارده السيادية … وتوقف حركة التنمية …العبء الذي تحملته كل اسرة مصرية .. لم تخلو واحدة منها .. من جندي او ضابط .. في صفوف المعركة … كما نشير لدور بطولي .. لعبه العمال والفلاحين .. والقطاع العام .. في ملحمة الصمود والتحدي …
ومن هنا بدأت مرحلة الصمود .. وحرب الاستنزاف .. التي بدأت ببطولات معركة ” رأس العش “.. وتدمير المدمرة ” ايلات” … ولم تمضي عدة ايام .. علي الهزيمة … وبناء حائط الصواريخ … والتي إنتهت بإنتصار .. في ملحمة اكتوبر 1973 .. الذي اعاد لمصر والمصريين كرامتهم .. واستعدنا بها كامل الارض المحتلة في سيناء .. بقيادة الرئيس ” انور السادات “…
وهنا اود ان اقول .. ان نصر إسرائيل .. لم يكن تعبيرا دقيقا عن موازين القوي .. بين العرب وإسرائيل .. اكثر منه تعبيرا عن سلبيات النظم العربية .. وقد تركت الهزيمة اثارا عميقة .. في نفوس العسكريين .. ونظرة المجتمع .. التي كانت اشد قسوة وجلدا للذات .. لعبت فيها السخرية والتندر .. ادوارا مهينة .. تحملها العسكريون .. بكل المرارة .. حتي تحقق النصر .. واستعادت مصر وقواتها المسلحة كرامتها وشرفها …
لم تكن هزيمة 5 يونيو 1967 هزيمة عسكرية فقط .. فقد اسقطت الهزيمة اكبر مشروع نهضة مصرية منذ “عهد محمد علي ” .. عمل عليه الشعب المصري مع زعيمه .. لمدة تزيد عن خمسة عشر عاما .. شمل جميع مجالات التنمية صناعية وزراعية وتصنيع حربي وينية اساسية ثقافية ومعرفية وتعليمية وإجتماعية .. مازالت اطلالها ماثلة …تنعي سقوط حلم يتحقق .. وامل يتلاشي …
وهو في تقديري الهدف الإستراتيجي الأهم للعدو الصهيوني … الذي نجح العدو في تحقيقه …المشروع الذي حاول التماسك والإستمرار لكنه اصيب بهزيمة تالية بالنقاط ..في فترة السبعينات … ترنح علي اثرها واصابه الوهن ….. ونالته القاضية الفنية في الثلاثين عاما التالية .. بفعل فيروس فساد تم زراعته في جسد المشروع…. فقضي علية بشكل كامل .
تآكل معه البقية الباقية من الجسد المنهك في اعوامه التالية .. بزعم ما عرف” الإنفتاح الإقتصادي ” في السبعينات .. ولم يكن في الحقيقة منه إقتصاديا فقط .. فقط صاحبه إنتشار انماط إجتماعية اشد بؤسا .. تراجعت فيه قيم العلم والعمل .. إلي قيم المال والفهلوة والنصب .. وتراجع المشروع الثقافي الراقي .. الذي شكل وجدان جيل .. إلي ثقافة الإبتزال والإنحطاط .. مع خصخصة الثقافة .. تراجع فيه دور الدولة للخلف .. وترك المجال دون ضوابط أخلاقية أو قيمية …
ولنا هنا .. ان نتوقف قليلا .. ونتعرف علي أخطاء هذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر … ونعترف بها بداية .. ونضع ما يكفل عدم تكرارها .. سواء من جوانبها العسكرية .. والسياسية .. والمجتمعية .. والشعبية …
– إتخاذ قرارات لا تتناسب مع القدرات القتالية للقوات المسلحة …وعدم إستنادها لتحركات وتقديرات سياسية سليمة ..
– إنشغال القيادة السياسية .. بحروب لم تكن من الحكمة الدخول فيها .. واهما حرب اليمن .. التي إستنزفت كثير من الموارد .. حتي يقال انها قضت علي الغطاء الذهب للعملة المصرية .. وإحتياطيها النقدي .. وكان من الصعب تصور الدخول في معركة مصيرية .. مع العدو الصهيوني .. ونصف قواتنا المسلحة .. في عملية إستنزاف مستمر .. تقاتل علي جبهة اليمن ..وهو ما يعني ان هناك خلل .. في إتخاذ القرار الإستراتيجي .. علي مستوياته السياسية والعسكرية ..
– تردي الاوضاع الداخلية .. وتطور الصراع بين القيادة السياسية المتمثلة في الزعيم ” جمال عبد الناصر” .. والقيادة العسكرية المتمثلة في المشير ” عبد الحكيم عامر “…
– غياب التوجيه السياسي والاستراتيجي .. للهدف من العمليات العسكرية .. ادي لحالة الفوضي العارمة .. علي الجبهة الشرقية .. سواء في إداة المعركة .. أو غياب خطة الإنسحاب .. ادي إلي إرتفاع الخسائر .. في الارواح والمعدات …لارقام مهولة ..
– القصور في إعداد القوات .. تنظيما وتدريبا وتسليحا .. وفقد وسائل الإتصال والقيادة والسيطرة علي القوات .. في مراحل التحرك .. والفتح التعبوي .. وتلاها من مراحل ..
– عدم إعداد الجبهة الداخلية .. وإعداد الدولة للحرب .. للدخول في عمليات عسكرية .. من نواحيها المعنوية والتعبوية .. أفقد القوات المسلحة الظهير الشعبي الداعم .. القادر علي المشاركة الفاعلة .. في مراحل الحرب ..
– مركزية القيادة والسيطرة .. ادي لأتخاذ قرارات كارثية .. لا تمت للولقع العملياتي علي الأرض .. مع الضعف الشديد في .. الإمكانيات الفنية الضرورية .. ادي إلي بلبلة القيادات الميدانية .. وسيطرة الفوضي واللامبالاة بينها … لدرجة ان فقدت القيادات الميدانية .. المتابعة والسيطرة علي الوحدات المقاتلة .. لدرجة عدم معرفة .. اماكن تمركزها وتحركاتها
– القصور في الحصول علي المعلومات عن العدو .. والقدرة علي تحليلها .. وإتخاذ التدابير المناسبة .. في الوقت المناسب …
– فقد الاسلوب العلمي .. في مراحل الحشد .. وإدارة المعركة .. وحتي الإنسحاب العشوائي غير المنظم .. جعل القوات المنسحبة .. هدفا سهلا لطيران العدو …
وكما يقال …إن الآلام العظيمة .. تصنع الأمم العظيمة .. كما أن المعاناة القاسية تفتح طاقات الأمل أمام الشعوب المتحضرة،.. ولا شك أن مصر بل والعرب جميعًا ..بعد يونيو 1967 …يختلفون عما كانوا عليه قبلها .. ويدركون العدو من الصديق .. ويميزون بين الدول والسياسات والمواقف،…. وسيظل يوم 5 يونيو … يضفى غيامة من الحزن النبيل …على ذلك الشعب العريق… الذى صنع الحضارات،… واستوعب الثقافات.. وآمن بالديانات، .. وظل نموذجًا للتسامح الإنسانى.. وتعبيرًا عن عبقرية الزمان والمكان .. دون تعصب أو تمييز أو إقصاء.
في النهاية .. كانت حرب يونيو 1967 … نقطة تحول فاصلة .. في الصراع العربي / الإسرائيلي … وغيرت وجه الشرق الاوسط برمته .. ومازالت اثاره جاسمة إلي الأن … في الضفة الغربية و القدس والجولان ومزارع شبعة …
أدعو الله ان نعي خطايا ادت إلي أقسي هزيمة قسوة في تاريخنا الحديث .. بقوة حركة التاريخ ..مصر تحاول إستعادة ما فاتها عبر نصف قرن .. وإستعادة بوصلتها المفقودة ..إلي مستقبل أكثر إشراقا .. في نسختها الحالية لمشروع التنمية ..تحيطه التحديات والمكائد .. من كل صوب وحدب .. من الإتجاهات الجغرافية الأربع .. زادها تحديات الداخل المتأزم وعورة وخطرا …
ولاتنسي مصر ما اصابها منذ نهضتها الاولي .. قبل حوالي مائتي عام .. في عصر ” محمد علي ” .. بتوقيعها قبول شروط ” معاهدة لندن ” 1840 م .. التي قضت علي احلام ” محمد علي ” في مشروعه الكبير لنهضة مصر .. ولا تنسي فخ هزيمة 1967 م .. الذي قضي علي ثاني مشروع لنهضة مصر .. علي يد زعيمها المرحوم ” جمال عبد الناصر ” ..
ادعو الله .. أن نعي حركة التاريخ .. والا نهدر اللحظة .. التي ربما لن تتكرر قبل عقود طويلة قادمة .. ايا كانت تحفظاتنا علي ادائها مقارنة بحجم أتجازاتها … وان نعي جيدا مخاطر الحاضر وإتجاهاته .. وان الغزو هذه المرة .. لن يكون عسكريا .. بعد أن تطورت ادواته ووسائلة .. بكلفة اقل كثيرا من الغزو العسكري .. ونتائج اكثر إبهارا ودمارا … بتفجير المجتمعات من داخلها …
حفظ الله مصر …
——————————————————-
للمراجعة :
هزيمة 5 يونيو – حقائق واسرار
لواء / طه المجدوب
دار المعارف




