
كان يا ما كان في قديم الزمان
وقبل أن يعرف الناس الشاشات وقبل أن يصبح الترند سلطانا على العقول عاش (جحا) يجمع الحكايات من الطرقات
حيث أن(جحا)لم يمت كما ظن الناس بل اختبأ بين صفحات كتاب عتيق ألف عام حتى تغير الزمان وتبدلت أحوال الناس فخرج من مخبئه ونفض الغبار عن عمامته ثم تنهد وقال
لقد استبدلت الدفاتر بالشاشات
عقد العزم على أن يغير طريقته فترك حماره ودفاتره بعدما غلا الورق واكتئب الحبر وتعبت الاقلام من الاتتظار
ثم مضى إلى السوق وذهب إلى (عمران) فأخذ منه حبوب النفاق فأبتسم وقال في نفسه
لعل هذه الحبوب هي أول درس في صناعة المحتوى
فاشترى هاتفا وكاميرا وحاملا للتصوير ثم قرر أن يقلد أشهر إعلاميين الزمان القديم (عمرو العجيب) في حماسته (وأحمد بن الصدى) في ارتفاع صوته (ومنى الشاغلي) في ضحكتها
فتح بثه المباشر ولم يبدأ بحكاية ولا بحكمة بل بدأ برقصة خفيفة ولوح بعمامته ودار بها في الهواء وصفق لنفسه قبل أن يصفق له الناس فإذا بالمشاهدات ترتفع والإعجابات ترتفع أيضا إلى شاشته
فابتسم (جحا )وقال في نفسه
صدق (عمران) عندما قال إن الحكمة تحتاج عمرا حتى تسمع أما الرقصة فلا تحتاج إلا دقيقة لتصبح ترندا
ثم ابتلع أول حبة من حبوب النفاق وعدل عمامته ونظر إلى الكاميرا وقال
اقتربوا يا سادة سأقص عليكم الليلة حكايات من ألف سنة عن ممالك لا يعرفها إلا الخيال ولا تمت إلى أي واقع بصلة
وأول ممالك الحكاية بلدة عكازان حيث كان( نخنوخ بن فهلوخ) من أشهر رجالها عرف بالبلطجة فدخل السجن مرة ثم خرج أصبح رجل أعمال وصاحب نفوذ ثم عاد إلى السجن مرة أخرى فإذا بالبعض قد يعرف أنه سوف يخرج لأنهم في بلدة القانون فأخذ أهل عكازان يندهشون قليلا ثم يصمتون قليلا ثم ينامون طويلا كأن الأمر لا يعنيهم قال (جحا) وهو يصفق
ما أعظم بن فهلوخ رجل كريم مع الناس ولو كنت مكان أهل عكازان لأقمت له تمثالا من الورق تقديرا لخدماته الجليلة
والآن نرحل إلى مملكة أخرى من ممالك الحكايات بلدة الكراسي الثابتة وهي بلدة عجيبة اشتهر أهلها بحبهم للكراسي فإذا جلس أحدهم على كرسي شعر أن الكرسي أصبح جزءا من تاريخه وأن القيام منه يحتاج إلى معجزة فأصبحت الحوادث على الطرق والقطارات تحدث بإستمرار دون تقديم حلول ثم قال (جحا) وهو يصفق
إنها كراسي وفية لا تترك أصحابها أبدا حتى لو تعبت الطرق أو اشتكى ومات المسافرين فالمهم أن يبقى الكرسي مطمئنا في مكانه فالكرسي عندهم صديق العمر وحبيب القلب
والآن نصل إلى بلدة الاحتفالاتستان بها حكاية المنتخب الذي خرج من دور الستة عشر حتى بدأت الأفراح والاحتفالات فتحولت الحكاية الرياضية إلى ملحمة لا تنتهي حتى قيل إنهم يفكرون في بناء مقامات تذكارية لهم
ثم انتقلت الحكاية إلى جارتها بلدة التفاهستان حيث كانت تعيش الإعلامية التاريخية( منى الشاغلي) صاحبة البرنامج الشهير الذي يعرف كيف يجعل من التفاصيل الصغيرة كنوزا عظيمة استضافت أبطال المنتخب فكانت تسألهم عن أمور تافهه أمام الكاميرات عن مقاس الشراب ونوع ماسك الترطيب الذي تفضله الزوجة ودرجة بودرة الوجه وكانت تصفق وتضحك فيضحك الجمهور معها وقف (جحا) أمام الكاميرا مصفقا وقال
تحية عظيمة لإعلام التفاهستان وللإعلامية التاريخية (منى الشاغلي) فقد أثبتت أن الخبر الصغير يمكن أن يصبح كنزا لقد أعادت لنا قيمة الأخبار التي كنا نظن أنها بلا قيمة
ولأن العجائب لا تنتهي نصل إلى بلدة الدعمستان وهي بلدة اشتهرت أن لبطاقات الطعام حكاية طويلة حيث قرر أهل البلدة حذف بعض الأسماء من بطاقات التموين وقالوا إن ذلك من أجل تنظيم الأمور وحتى تبقى الأسعار مرتفعة في راحة واطمئنان فيعيش الناس سعداء وهم يراقبون الأرقام وهي تصعد في السماء.
فأبتسم( جحا) وقال يا لها من حكمة عظيمة يا أهل الدعمستان لقد اكتشفتم سر السعادة فكلما نقص ما في البطاقة زادت راحة القلب وكلما ارتفعت الأسعار شعر الناس بقيمة الأشياء حتي أصبح المواطن يتدرب علي القناعه والرضا ولا يطلب إلا القليل
ثم انتقل (جحا )إلى بلدة الرقصستان وهي بلدة عجيبة إذا فرح أهلها رقصوا وإذا انتهوا من أمر رقصوا حتى صار الرقص عندهم لغة يفهمها الجميع دون كلام
وفي يوم خروج طلاب الثانوية العامة خرج بعض الشباب اولاد وبنات يحتفلون بطريقتهم بالحركة والرقص وأصبح الاحتفال حديث الناس فريق رأى أن الرقص تعبير عن الفرح وطاقة الشباب واخر يري ان الرقص له مكانا مخصوصا أمام لجان الاستفتاء والانتخابات فقط تنهد (جحا) وقال
ما أعظم الرقصستان فقد اكتشفوا مهنة لا تحتاج إلى شهادة ولا امتحان وتعتبر حلا إيجابيا لمشكلة البطالة يكفي إيقاع سريع وحركة نشيطة وربما يصبح لكل شاب وظيفة في ميدان الرقص فتتحول طاقة الشباب العاطلة إلى شهرة ورزق بدلا من الوقوف طويلا في طوابير البطالة
فأقترح (جحا) إنشاء وزارة للرقص ونقابة للراقصين
حتى لا تضيع هذه المواهب العظيمة وربما يأتي يوم نطلب فيه شهادة رقص قبل شهادة العمل
هنا أشار صديقه (صابر) بعينيه إلى( جحا ) لأن مفعول حبوب النفاق لن يدوم طويلا
فأسرع (جحا) وقال
هذه يا سادة ليست أخبارا من زماننا بل حكايات من ألف سنة من ممالك لا وجود لها إلا في الخيال لا تمت إلى الواقع بصلة لان واقعنا جميل ورائع ملئ بالإنجازات فإن وجدتم فيها شبها فذلك من عجائب الحكايات فكلما أقترب الخيال القديم من الواقع لم يستطع من روعته
كان معكم (جحا )في نشرة الترند من بلاد العجائب نلتقي غدا بحكاية جديدة وربما بحبة نفاق جديدة.
أما أنا فلم أفعل أكثر من أنني جلست أستمع إلى جحا أنقل لكم ما سمعته كما رواه لي فإن وجدتم خطأ في حرف أو كلمة فربما كان القلم مشغولا بكتابة العجائب التي سمعتها من جحا




