عار الصامتين.. والأمم غير المتحدة!!!
بقلم: الدكتور / يحيى خيرالله
بينما أنا أجلس أمام شاشة تنقل وقائع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأنا الذي قضيت عقودًا أؤمن بأن هذه القاعة هي آخر ما تبقى من عقل العالم، فإذا بي أشاهد مسرحًا للتناحر لا منبرًا للتوافق، فقد انتهى العرض وغادر الجمهور وما زال الممثلون يتقمصون الأدوار.
شاهدت رئيسي أمريكا وكوبا يتبادلان الاتهامات على الملأ، كأننا أمام سجال انتخابي ضيق لا أمام قادة دول يفترض أن يبحثوا عن حلول للبشرية، فلغة التخوين حلت محل لغة الدبلوماسية، والمنصة التي أُنشئت لفض النزاعات أصبحت وقودًا لها.
ثم جاءت الحظة الفارقة، صعد نتنياهو ليلقى كلمة كلها افك وبهتان، فغادر 77 وفدًا القاعة احتجاجًا، لم يكن الانسحاب مجرد حركة بروتوكولية، بل كان صرخة صامتة تقول إن الشرعية الأخلاقية لم تعد في هذه القاعة، لكن الوقاحة بلغت ذروتها حين قال بلغة ساقطة على منبر الأمم المتحدة: “إن كان باقٍ أي جبان في القاعة فليرحل”، أي سفاهة في القول هذه؟ وأي استخفاف بأعراف الدبلوماسية؟ إن من يقف متهمًا بدماء عشرات الآلاف لا يحق له أن يوزع صكوك الشجاعة والجبن على العالم.
ولننتقل إلى فضح عار الصامتين، وهم الدول العربية التي بقيت في مقاعدها حين اعتلى نتنياهو المنبر- الإمارات والبحرين والمغرب – ولم تحركها دماء غزة ولا صرخات الأطفال تحت الركام، فأي عذر تسوقون؟ من أي ملة أنتم وما جنسكم؟ ألستم من أمة واحدة يفترض أن تجمعها اللغة والدين والتاريخ والمصير؟ لقد غادر الغريب قبل القريب، وتحرك الأجنبي حين تجمّد الشقيق.
يا هؤلاء، إن البقاء في القاعة لم يكن حيادًا دبلوماسيًا كما ستدّعون، بل كان مشاركة بالصمت، وتواطؤًا بالجلوس، التاريخ سيسجل من انسحب احتجاجًا، وسيسجل أيضًا من بقي جالسًا يستمع لخطاب من يقتل أهله.
أقولها بخبرة السنين في العمل السياسي: الأمم المتحدة تنهار، لا دفعة واحدة كما انهارت عصبة الأمم، بل ببطء موجع، لقد فقدت السيطرة، أولًا على الولايات المتحدة التي تتعامل معها كأداة تُستخدم حين تشاء وتُهمَّش حين تشاء، وثانيًا على أصحاب الفيتو الذين حوّلوا مجلس الأمن إلى مقبرة للقرارات، حين يصبح القانون الدولي انتقائيًا، وحين يُكال بمكيالين، تموت الفكرة نفسها.
حقا، العالم أصابه الجنون، حروب في أكثر من قارة، دمار يطارد المدن، فقر ينهش الملايين، بينما تُنفق المليارات على السلاح. وفي غزة، نشاهد أقسى صور هذا الجنون: آلة حرب مدججة بالطائرات والدبابات والذكاء الاصطناعي تُسلَّط على شعب أعزل، فيواجهها أطفال الحجارة والفدائيون بإيمانهم وصدورهم العارية.
أي اختلال في موازين العدل هذا؟ وأي ضمير عالمي يقبل أن يُسمّى هذا دفاعًا عن النفس؟ لقد أفنيت حياتي أتنقل بين المؤتمرات والمواثيق، وكنت أظن أننا نبني جدارًا يحمي الإنسانية من جنونها، واليوم أرى الجدار يتصدع حجرًا فوق حجر.
ومن هنا، لا أملك في ختام العمر إلا أن أناشد العالم: كفّوا عن هذا الجنون، أوقفوا منطق القوة الذي سيأكل الجميع، أعيدوا للكلمات معناها، وللعدالة قدسيتها، وللأمم المتحدة روحها قبل أن تصبح اسمًا على مبنى فارغ في نيويورك.
وختامًا، أيها الصامتون، أيتها الأمم غير المتحدة
التاريخ لا يرحم، وسيكتب يومًا أنكم لم تكتفوا بإشعال النار في السر، بل وقفتم في العلن تشاهدونها تقترب من بيوت الآمنين دون أن تحركوا ساكنًا، وسيكتب أنكم سمعتم أنين الأطفال تحت الركام، ورأيتم المدن تُسوَّى بالأرض في غزةالأبية، ثم أدرتم وجوهكم وعدتم إلى مقاعدكم الوثيرة، وسيذكر أن العدل مات على عتبة قاعتكم، وأن الإنسانية دُفنت تحت صمتكم، فلا تدّعوا الحياد، فالحياد في زمن المذبحة خيانة، والصمت في حضرة الدم جريمة لا تسقط بالتقادم.




