ثقافةمقالات

الذكاء الاصطناعي ؛ انطفاء نور الفكرة …

◙ سطور من واحة الظلال - تكتبها : دنيا عبدالفتاح النجار ...

أنظر إلى الأجيال الحالية بعين تحمل الكثير من التأمل..

 

عالمنا يتغير بسرعة كبيرة عالمنا أصبحت فيه التكنولوجيا جزءا من كل تفاصيل الحياة فالفرد أصبح قريبا من المعرفة أكثر من أي وقت مضى.

 

أصبح الإنسان أمام اختبار في علاقته بالتكنولوجيا.

 

 فإما أن يستخدمها لتوسيع وعيه وإبداعه أو يسمح لها أن تضعف صوته الداخلي فالإنسان يملك عقلا يفكر وقلبا يشعر وروحا تحلم وقدرة على أن يصنع من الفكرة بداية جديدة للحياة.

 

فالفكرة كانت دائما هي الخطوة الأولى لكل حضارة ولكل تغيير ولكل إنجاز خرج من عقل إنسان أضاف شيئا جديدا.

 

واليوم يأتي الذكاء الاصطناعي كواحد من أكبر التحولات التي عرفها الإنسان.

 

فأصبح الذكاء الاصطناعي حاضرا في كل شيء يكتب النصوص ويصمم الصور ويجيب عن الأسئلة فهو إنجاز صنعه العقل البشري.

 

وفتح أبوابا واسعة في المعرفة والعمل والابداع.

 

هناك من يستخدمه كوسيلة تساعده على تطوير فكره وتوسيع قدراته وهناك من يجعله بديلا عن عقله فيتوقف عن البحث والتجربة ويصبح منتظرا لما تقدمه له الآلة.

 

ومن هنا يبدأ انطفاء نور الفكرة!

.

فالأفكار لا تولد من الإجابات الجاهزة بل تولد من السؤال من الحيرة من البحث من المحاولة والخطأ الإنسان كان يبدع لأنه كان يواجه المجهول وكان يحاول أن يفهم ويكتشف وكانت التجربة جزءا من تكوينه.

 

لكن عندما تصبح كل الإجابات سهلة وقريبة يقل التأمل ويضعف الشغف فيفقد الإنسان متعة البحث والاكتشاف.

 

قد لا تموت الأفكار فجأة لكنها تضعف حين يعتاد الإنسان أن يأخذ بدلا من أن يبتكر فالإبداع الحقيقي إحساس وتجربة وروح تحمل معنى الفكرة.

 

قد تصنع الآلة شيئا مميزا لكنها لا تملك روح الإنسان وتجربته فالفكرة الحقيقية لا تكتمل إلا بما يضعه الإنسان فيها من إحساس ومعنى.

 

ومن هنا يظهر جانب آخر وهو الخداع.

 

فقد يستخدم الإنسان الذكاء الاصطناعي لصناعة عمل ثم ينسبه إلى نفسه وكأنه نتاج موهبته وتجربته فينسى الفرق بين استخدام الأداة وصناعة الفكرة.

 

 فالقيمة الحقيقية للإبداع ليست في الشكل فقط بل في الصدق والفكر والشعور الذي يمنحه الإنسان لعمله.

 

ومع الاعتماد الزائد على التكنولوجيا قد تفقد بعض الأجيال قيمة التجربة فالحياة تفهم من خلال ما نعيشه ونحاول ونفشل فيه.

 

 لذلك تقل الحركة والنشاط وقد يصبح الإنسان أكثر تعلقا بالراحة التي توفرها التكنولوجيا فالإنسان الذي لا يجرب قد يفقد جزءا من قدرته على الابتكار لأن التجربة هي التي تصنع الوعي الحقيقي.

 

ومع الوقت قد يتحول ارتباط الفرد بالتكنولوجيا إلى نوع من الإدمان فيعتاد وجودها في كل تفاصيل حياته وينتظر منها الحلول والأفكار وحتى طريقة التفكير.

 

ومع هذا الاعتماد قد تقل قدرته على الاختيار والتفكير بنفسه وتتحول من وسيلة تساعده إلى شيء لا يستطيع الاستغناء عنه فيضطر إلى دفع مبالغ مالية مقابل استمرار استخدامها.

 

فالذكاء الاصطناعي مقصود لخلق أجيال أقل وعيا.

 

أجيال تتراجع فيها الأسئلة وتموت فيها الأحلام.

 

أجيال تعتاد أن تفكر الآلة بدلا منها وأن تختار لها الطريق بدلا من أن تصنع طريقها.

 

فالقوة التكنولوجية قد تصبح وسيلة تستخدمها القوى الكبرى للتأثير في وعي الأجيال وتوجيه أفكارهم لأن من يمتلك أدوات المعرفة يمتلك قدرة أكبر على التأثير والخطر الحقيقي فى خلق اجيال فاقدة وعيها تابعة لما يوجه لها دون أن يكون لديها القدرة على النقد والاختيار.

 

فالقوة اليوم تقاس بمن يملك المعرفة ومن يسيطر على التكنولوجيا ومن يمتلك القدرة على تشكيل الأفكار والعقول.

 

فالسيطرة في الماضي كانت تقوم على احتلال الأرض أما اليوم فقد تكون السيطرة عبر المعلومات عبر تشكيل الوعي وعبر التأثير في طريقة تفكير الشعوب واختياراتها.

 

ومن يمتلك التكنولوجيا المتقدمة  يمتلك قدرة على التأثير في حركة العالم واتجاهاته.

 

فتحولت التكنولوجيا إلى وسيلة لتوجيه الاجيال في فقدان جزء من استقلالهم الفكري والتأثير في أفكارهم وتشكيل اهتماماتهم ودفعهم نحو اتجاهات معينة دون أن تشعر.

 

وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة مختلفة ففي العصر الجاهلي صنعوا الأصنام بأيديهم ثم عبدوها واليوم نواجه صناعة أدوات ذكية فأصبحنا نمنحها مكانة أكبر من اللازم حتى أصبحت هى المؤثرة في التفكير والحياة فأصبح الإنسان اسيرا لما صنعه.

 

ومع ذلك تبقى الحقيقة أن لا شيء يصل إلى حد الكمال فالذكاء الاصطناعي مهما تطور سيظل يحمل أخطاء لأنه يفتقد ما يميز الإنسان الإحساس والروح.

 

 قد يعرف الكثير لكنه لا يشعر.

 

 قد ينتج الكثير لكنه لا يحمل المعنى الذي يمنحه الإنسان لأفكاره.

 

ولا شيء يبقى ثابتا إلى الأبد فكما تغيرت الحضارات والأفكار تتغير الوسائل أيضا فالذكاء الاصطناعي مهما بلغ من قوة قد يكون مرحلة مؤقتة فقد تظهر أدوات ذكية تتجاوزه.

 

أو قد يتغير شكل العالم حتى نعود إلى حياة أبسط تشبه العصور البدائية فالمستقبل لا تحدده التكنولوجيا وحدها بل تحدده أيضا القوى الكبرى وما تملكه من نفوذ وتأثير.

 

فالمستقبل لا يصنعه ذكاء الآلة فقط بل وعي الإنسان وضميره لذلك فإن المستقبل يكون لمن حافظ على إنسانيته لمن يعرف كيف يستخدم الادوات الذكية دون أن يفقد نفسه.

 

ستبقى الفكرة هي النور الذي يقود الإنسان مهما تعددت الأدوات وتغيرت الوسائل ما دام قلبه حيا وعقله يقظا وحلمه حاضرا.

 

متمسكا بوعيه وحريته في التفكير.

 

لأن الإنسان حين يحافظ على وعيه لا تطفئ التكنولوجيا نوره بل تصبح ظلا له.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى